متابعات

متابعات | ظاهرة “تهريب” المنتخبين تضرب مصداقية المجالس المنتخبة

صراع التحالفات بعد 8 شتنبر

تعرف العديد من المدن والأقاليم في المملكة، عقب نهاية الانتخابات الجماعية والجهوية، ظاهرة مشبوهة تؤثر على ثقة الناخبين وعلى الديمقراطية المحلية، بسبب ظاهرة “تهريب” واحتجاز المنتخبين الفائزين قبل تكوين المجالس المنتخبة، وذلك بطرق مشبوهة وباستعمال وسائل الترغيب والترهيب، واللجوء إلى تقديم إغراءات مادية وانتزاع شيكات على بياض بهدف شق صفوف الأحزاب المتحالفة والتسبب في العصيان داخل الفرع المحلي.

لقد كشفت الانتخابات الحالية عن استمرار هذه الظاهرة التي تضرب عمق الديمقراطية، وتمس بالصورة العامة للانتخابات الجماعية وتطعن في إرادة الناخبين والمواطنين الذين قدموا أصواتهم لمرشحين معينين، من أجل إحداث التغيير على مستوى المدينة أو الجماعة القروية، إلا أن الفساد المالي والإغراءات المادية أصبحت تلعب دورا في شراء أصوات المنتخبين وقلب إرادة الناخبين.

تتمة المقال بعد الإعلان

فقد عبرت العديد من فروع الأحزاب المحلية في العديد من المدن، عن رفضها لهذه الآفة الخطيرة التي انتشرت في العديد من المدن وخلقت انشقاقات وخلافات بين المنتخبين المنتمين لنفس الحزب، كما أسالت لعاب الانتهازيين وتجار الانتخابات الذين يشاركون من أجل بيع أصوات الناخبين لـ”أصحاب الشكارة” والمال.

هذه الظاهرة دفعت بعض الفعاليات والنشطاء إلى إطلاق أصوات واحتجاجات تطالب برفض التحالفات التي تتم عبر “تهريب” المنتخبين واحتجازهم في فنادق أو إقامات سياحية قبل يوم التصويت، مطالبة بسن قوانين لتجريم الظاهرة وإبطال أي تحالف يلجأ لطرق ملتوية للانقلاب على إرادة المواطنين والديمقراطية.

تتمة المقال بعد الإعلان

الرباط. الأسبوع

آفة انتخابية

    عقب الانتخابات الجماعية والمحلية، ارتفعت وتيرة السباق الانتخابي نحو رئاسة المجالس الجماعية الحضرية أو القروية، وعلى صعيد الجهات، بالرغم من تحكم قيادة الأحزاب في توزيعها، إلا أن التحالفات المحلية تلعب دورا خاصا في توزيع المناصب والمصالح، وتبادل المراكز بهدف تقسيم “الكعكة”.

في هذا السياق، انتقد الناشط الحقوقي محمد الغلوسي، ظاهرة تهريب المرشحين الفائزين في الانتخابات الجماعية في بعض المدن والمناطق، إلى أماكن مجهولة أو مرافق سياحية، وذلك لضمان عدم انقلابهم، أو استقطابهم يوم عملية التصويت، وأضاف أن “هذه الممارسات تجسد هشاشة النخب الحزبية وضعفها، والتي ساهمت بسلوكها الهجين في تسليع العمل السياسي وجعله مجالا للتجارة والسمسرة، فضلا عن كونها ممارسات تعكس أيضا مستوى الوعي السائد في المجتمع”، مشيرا إلى أن “تهريب الفائزين في الانتخابات عملية تهدف لشراء سكوتهم وولائهم، عبر اللجوء إلى أداء اليمين باستعمال المصحف الكريم لضمان تشكيل أغلبيات مصطنعة والظفر برئاسة بعض المجالس المنتخبة وتوزيع كعكة المسوؤليات”.

واعتبر الغلوسي أن “هذه الممارسات هي امتداد لممارسات أخرى شهدها الحقل الانتخابي كشراء المرشحين وانتقال البعض منهم من لون إلى آخر، وبيع التزكيات لبعض المفسدين وناهبي المال العام، لضمان الأصوات ونيل المزيد من المقاعد، واستعمال المال لشراء ضمائر بعض الناخبين والتأثير على إرادتهم واستغلال حاجة وفقر بعض الفئات الهشة داخل المجتمع لتوسيع دائرة المكاسب وتعميق الريع والفساد في الحياة السياسية”، وأكد على أن “بعض المنتخبين هم مجرد رهينة في يد بعض شناقة وسماسرة الانتخابات، منتخبون يرون في الانتخابات مجرد حرفة لربح المال والتسول وربط علاقات مع إدارات ومؤسسات وابتزازها باسم المصلحة العامة وتمثيل الساكنة، وهكذا يرفضون التوقيع على بعض البرامج والوثائق والمحاضر إلا بعد الحصول على امتيازات خاصة تحت شعار: شوفو معايا وضبرو عليا، وتصبح بعض هذه الإدارات والمؤسسات تحت رحمة هؤلاء اللصوص المحترفين”، متسائلا: “كيف لمن باع إرادة وأصوات الناخبين ونال ثقتهم، أن يدافع عن مصالحهم وحقوقهم في التنمية والكرامة؟”.

محمد الغلوسي

اختفاء مستشارين

    حصلت العديد من الحوادث عقب نتائج انتخابات 8 شتنبر، تمثلت في اختفاء العديد من المنتخبين الجماعيين، الشيء الذي يؤكد استمرار الظاهرة ورغبة لوبيات حزبية للانقلاب على نتائج الاقتراع، عبر استقطاب وتهريب المنتخبين للظفر بالمنصب، وقطع الطريق على خصومهم للتواصل مع المنتخبين الفائزين.

فقد وقعت ضجة كبيرة في مدينة مراكش بعد اختفاء مستشارة، وهي وكيلة لائحة أحد الأحزاب بمنطقة تمارة، في ظروف غامضة دون أن تعرف أسرتها مكانها، مما جعل الاتهامات تتجه صوب التحالفات وظاهرة تهريب المنتخبين، حيث خرج حزبها ببلاغ يستنكر من خلاله طريقة اختطافها واختفائها عن الأنظار، وعرفت المدينة تهريب مجموعة من المنتخبين والمنتخبات، ينتمون لأحد الأحزاب إلى مدينة الوليدية، في محاولة لمنعهم من التنسيق الانتخابي مع الأحزاب المنافسة على كرسي الرئاسة.

في مدينة صفرو، وجدت مستشارة جماعية ناجحة نفسها في ضيعة فلاحية وسط منتخبين تم استقطابهم لتشكيل تحالف جماعي لرئاسة مجلس الجماعة الحضرية، وذلك بدعم من أحد أعيان المنطقة الذي جهز جميع ظروف الراحة والإقامة لهم لدعم أحد أصدقائه لرئاسة المجلس، لكن المستشارة رفضت جميع الإغراءات والعروض المقدمة إليها للانقلاب على تحالف رفاقها، وقررت مغادرة الضيعة مؤكدة التزامها بالاتفاق المبرم مع الأحزاب المشكلة للتحالف الأول الذي يقوده حزب الأحرار.

وعرفت مدينة خريبكة بدورها حالة اختفاء لمستشارة جماعية تدعى وهيبة رفقة ابنتها، بعدما رفضت الانصياع لقرار وكيل لائحة حزبها، للبقاء ضمن تحالف يضم وجوها قديمة سبق لها أن سيرت مجلس المدينة بحصيلة ضعيفة، حيث خرجت والدتها بتصريحات صحفية تقول فيها أن “ابنتها الفائزة في الانتخابات المحلية تتعرض للتهديد بالقتل والتصفية الجسدية من قبل وكيل لائحة حزبها، للبقاء معه في التحالف مع المجلس الجماعي السابق، بينما هي تريد الانضمام إلى تحالف جديد يضم وجوها جديدة تسعى لإحداث التغيير في تركيبة المجلس”.

بدورها، شهدت مدينة بن جرير اختفاء عدد من المستشارين الجماعيين عن الأنظار، عقب نتائج الانتخابات الجماعية، مما دفع بممثلي الأحزاب إلى تهديد المنتخبين المنشقين عن الحزب باتخاذ الإجراءات التأديبية وتفعيل المساطر القانونية في حقهم، وقد اختفى عدد من المستشارين عن الأنظار بعدما حصلوا على عضوية المجلس، بحيث استطاعوا جمع عدد من المنتخبين لتشكيل أغلبية في المجلس قصد قطع الطريق على حزب الأصالة والمعاصرة الذي يسعى للاستمرار في رئاسة المجلس والحفاظ عليه.

وشهدت مدينة مكناس أيضا اختفاء غامضا لعدد كبير من المرشحين الفائزين في الانتخابات المحلية، وذلك تزامنا مع بداية التحالفات، مما جعل المواطنين يتساءلون عن سر اختفاء المستشارين خلال الفترة التي تسبق عملية تشكيل مجالس الجماعة والمقاطعات، بحيث أكدت مصادر مطلعة، أن الأعضاء الناجحين، هم في حكم الاختفاء أو الحجز أو غالبيتهم اختفوا طواعية، مع مستشارين آخرين للبحث عن مناصب ومصالح خاصة.

كما لجأ رئيس جماعة ضواحي مراكش، إلى تهريب مجموعة من المنتخبين والمنتخبات من حزبه الأم ومن أحزاب أخرى، نحو وجهة مجهولة للحفاظ على تحالفه خوفا من الانشقاق، بينما قام وكيل لائحة أحد الأحزاب في إقليم شيشاوة، بتهريب مجموعة من المنتخبين نحو مدينة أكادير في انتظار تحديد تاريخ انتخاب المجلس القروي لكي يفوز بالرئاسة.

أحزاب تتصدى للظاهرة

    أدان أعضاء المكتب الإقليمي لحزب الاستقلال بمراكش، الممارسات اللاأخلاقية واللامسؤولة التي تضرب شرعية العملية الانتخابية، والمتمثلة أساسا في تهريب المنتخبين واستمالتهم خارج التزاماتهم الحزبية بشكل لا يعكس اختيارات المواطنين، ولا يخدم مصلحة مدينة مراكش.

وأكد الحزب على أن النتائج الإيجابية التي حققها الحزب بعمالة مراكش تبقى نتاجا لتراص المناضلات والمناضلين خصوصا بعد المؤتمر 17، وتواصلهم الدائم مع المواطنات والمواطنين، وحرصهم على استبعاد كل من تحوم حوله شبهات الفساد واستباحة المال العام، وكذا العمل الدؤوب للقيادة المحلية وترشيح أسماء مشهود لها بالانضباط والنزاهة ونظافة اليد وكفاءة التدبير.

كما أعلنت أربعة أحزاب سياسية بجهة سوس ماسة، عن توقيع اتفاق شرف بين منتخبي هذه الأحزاب من أجل تكوين تحالف يقضي بتسيير شؤون مجلس جهة سوس ماسة وأيضا المجالس الإقليمية ومجالس الجماعات الترابية، وذلك لقطع الطريق على الفساد والإغراءات واستمالة المنتخبين.

وانتقدت الأحزاب الأربعة التالية: الأحرار والاتحاد الاشتراكي والاستقلال والأصالة والمعاصرة، المناورات الدنيئة التي ترافق دائما تشكيل مكاتب المجالس الجماعية والإقليمية والجهوية، وقطع الطريق على شراء ذمم الناخبين الكبار/ المنتخبين، وعلى عمليات اختطاف وتهريب المستشارين قبيل تشكيل مكاتب المجالس المذكورة كما حدث سابقا بهدف الضغط على جهة معينة حتى تميل الكفة لصالح جهة أخرى.

كما وقعت بعض فروع الأحزاب المحلية في مختلف المدن والمجالس الترابية، ميثاق شرف لصيانة التحالف والالتزام به، قصد تشكيل المجالس بعيدا عن “أصحاب الشكارة”، والرؤساء السابقين، بعدما نالت ثقة المواطنين الذين يتطلعون للتغيير والقطع مع الانتهازيين وأصحاب المصالح الخاصة.

فراغ قانوني

    يرى ملاحظون أن هناك فراغا قانونيا يسمح بانتشار وتفشي ظاهرة تهريب المنتخبين بعد الانتخابات، مما يسمح لوكلاء اللوائح وكبار المنتخبين بالتحكم والسيطرة وهندسة الشأن المحلي، معتبرين أن هذه السلوكات تؤلم المواطنين الذين لا يستطيعون فعل شيء أمام المرشح الذي يتبع الإغراءات والمصلحة الخاصة.

فالفراغ القانوني بقانون الانتخابات والقوانين المرتبطة بتكوين المجالس الترابية، يزيد من استمرارية هذه الظاهرة المذلة والخبيثة التي تطعن في مصداقية المنتخبين والمجالس الترابية والأحزاب أيضا، هذه الأخيرة تتحمل نصيب كبيرا من المسؤولية، لعدم تدخلها لإلزام المنتخبين التابعين لها باحترام وعودهم والتزاماتهم تجاه المواطنين الناخبين.

وتظل الدولة بدورها مسؤولة قانونيا عن العبث الذي يحصل في المجالس المنتخبة، وتحكم أصحاب المصالح والكراسي في توزيع الأدوار واستقطاب منتخبين ضد رغبة الناخبين، مما يستوجب إعادة النظر في قوانين تشكيل المجالس المحلية والتحالفات، حتى تكون لصوت المواطن كلمة في إحداث التغيير، وحتى لا تضيع مصالح الساكنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى