المنبر الحر

المنبر الحر | مفهوم اليسار بين موسكو ومكة المكرمة بكل اختصار

بقلم: ذ. الحسن العبد

    يُشير مفهوم الحزب اليساري، حسب بعض الدارسين، إلى ذلك الطيف السياسي الذي يتبنى بشكل عام فكرة المساواة والسيادة الشعبية للمؤسسات السياسية والاقتصادية، وتتبع اليسارية بشكل عام المنهج العلماني، وهو المنهج الذي يقوم على الفصل بين الدين والدولة، وبذلك نجد لدى اليساريين أنه لا يجب أن يتدخل الدين في السياسة بتاتا، ويرى جل الباحثين بأن اليسارية أو الجناح اليساري مصطلح يمثل تيارا فكريا وسياسيا يسعى لتغيير المجتمع إلى حالة أكثر مساواة بين أفراده، ويرجع أصل مصطلح اليسارية إلى الثورة الفرنسية (نواب الشعب الجالسون على اليسار، أو أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، في مقابل أصحاب اليمين من طبقة النبلاء)، غير أن ما يميز اليسارية بصفة عامة، هو كونها تطالب بالديمقراطية في جميع مجالات الحياة، كما أن اليسارية في حد ذاتها تشير إلى الاشتراكية أو الديمقراطية الاجتماعية، ويرى بعض اليساريين أن اليساري الحقيقي يجب أن يكون شيوعيا ينهل من موسكو وبكين، أو اشتراكيا، بينما يرفض البعض الآخر أي صلة بالماركسية والشيوعية.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل فعلا اليساري العربي هو الذي يوالي منظومة الاتحاد الاشتراكي السوفياتي السابق، أي ينسب نفسه إلى موسكو، أم الذي يدعو إلى الاشتراكية كنظام حكم، أم على العكس من ذلك، هو كل شخص يناضل من أجل كرامة وعزة المستضعفين، وهو ينهل من كتاب الله وسنة رسوله، قاصدا طريق مكة المكرمة لتحقيق وعد الله وجعل المؤمن المستضعف إماما وارثا؟

بطبيعة الحال، لا يوجد أي تطابق، أو أي علاقة بين اليسار الاشتراكي الذي يخدم القوات الشعبية مرتكزا على فصل الدين عن الدولة، وبين معايير الفكر الإسلامي ومنظومته الأخلاقية ليعز المؤمن المستضعف بشرائع دنيوية وشعائر دينية بالتحام كامل وشمولي بتنزيل كتاب الله للعمل به، قلبا وقالبا، شرعة ومنهاجا، ولكنهما معا، الوضعي والسماوي، يشملان مساحات مشتركة مهمة لصالح البشرية.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفي هذا الإطار، سألت أحد العارفين بالله، عبد مسلم يعز المؤمن المستضعف عن كلمتي اليمين واليسار في الإسلام، وأكدت في سؤالي هذا عن الوضعية السياسية الراهنة لأمتنا، وعلاقة المصطلحين بمستقبل الإسلام والخلاص السياسي!؟ فقال الرجل بثقة كبيرة فيها علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين: ((اليوم يمين إسلامي وغدا يسار إسلامي، وديننا دين الوسطية، غدا إن شاء الله عزة المستضعف وعد من الله الأحد الأوحد الذي لا يخلف وعده))، ((ونرِيدُ أن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)) (سورة القصص)، واسترسل في القول: ((يسارنا بزعامة قادة على نهج ومنوال أبي ذر الغفاري، منيب إلى الله، وليس إلى موسكو وبكين بمادية تاريخية وشيوعية لينينية فيها فيدرالية يسار وضعي)).. ((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ)) (سورة النمل). إنه بسبب موقف أبي ذر الغفاري الصحيح من بيت المال والغنى الفاحش، ينظر بعض المؤرخين الجدد إليه على أنه من أنصار الاشتراكية أو الشيوعية.

والحقيقة، يقول آخرون، أن أبا ذر مصلح اجتماعي أراد محاربة السلطة بالطرق السلمية من خلال شرح موقفه المستند إلى القرآن والسنة النبوية، لهذا كان يدعو إلى التقشف وعدم التبذير، وهذا الأمر لم يرق لمعاوية وأهل بيته.

لقد كان أبو ذر يعتقد أنه لا يجوز لمسلم بأن يكون له في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته، مستندا إلى الآية الكريمة: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم))، وكان يخطب في أهل الشام فيقول:

((يا معشر الأغنياء والفقراء.. بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم)).

فمرحبا غدا إن شاء الله، بيسار مكة المكرمة وبشرى لأولياء المغرب، وهو وسطية أهل السنة واعتدال العز، وليس اعتدال الذل والهوان كما يريده لنا الغرب ومن يواليهم من بني جلدتنا، لنعمل بنصيحة العباد العبيد العارفين ونكرم المستضعفين بالعزة والكرامة والسؤدد والعدل، ولا شأن لنا بيسار موسكو وبيكين.. ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى