ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | تجربة الأحزاب السياسية بين الحسن الثاني والملك محمد السادس

من الإضعاف إلى الإنقاذ 

يقول الشاعر أحمد مطر: ((أكثر الأشياء في بلدتنا: الأحزاب والفقر وحالات الطلاق)).. وفي حالة المغرب، ما أكثر الأحزاب وعددها 36، وهذا الرقم يرمز إلى مستشفى المجانين عندنا. إنها مصادفة غريبة تعبر عن الواقع الكئيب الذي تعيشه أحزابنا.

وعلى بعد أقل من ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية والجماعية، يظهر أن المشهد السياسي الوطني ليس على ما يرام، حيث يبدو أن القوى السياسية المغربية بيسارها ويمينها، غير مرتاحة إلى وضعها، وليست القوى السياسية هي الوحيدة غير المرتاحة لذلك، بل حتى الملكية أصبحت تنظر بغير الارتياح لما آلت إليه الأحزاب السياسية، بل أضحت ترى أنها لم تعد تلعب الدور المنوط بها، وهو تأطير المواطنين سياسيا، ولعب دور الوسيط بين هموم المواطن والسلطة.

تتمة المقال بعد الإعلان

فهناك فرق كبير بين وضعية الأحزاب السياسية في الظرفية الحالية، ووضعها إبان استقلال المغرب، وخلال مرحلة الملك الحسن الثاني، حيث كانت الملكية في تلك الفترة تقف حائلا أمام تنامي نفوذ الأحزاب وتشجع إضعافها وانشقاقها، أما اليوم، فإن الملكية تسعى جاهدة لإنقاذ الأحزاب السياسية من موت سريري، تارة عبر انتقادها، وأخرى عبر تقديم الدعم المادي لها.

لذلك، يسعى هذا الملف إلى تسليط الضوء على الفرق بين الأحزاب السياسية خلال عهد الحسن الثاني وفترة حكم الملك محمد السادس.

تتمة المقال بعد الإعلان

أعد الملف: سعد الحمري

عندما كان هم الحسن الثاني إضعاف وتشجيع انقسام الأحزاب السياسية

    لقد انقلبت الحياة السياسية في المغرب رأسا على عقب بين مرحلة الاستقلال والفترة الحالية، إذ كانت الملكية تسعى دائما إلى إضعاف الأحزاب السياسية وتشجيع انشقاقها، لأن الأحزاب كانت تشكل قوة، وأحيانا خطرا على الملكية.

وبهذا الخصوص، علق الأنثروبولوجي الأمريكي الشهير، جون واتربوري في كتابه الموسوم بعنوان “أمير المؤمنين” قائلا: ((لقد رأينا فيما سبق، أن الملكية تسعى إلى الحفاظ على التوازن بين جميع التشكيلات السياسية، يجب ألا تتقوى أي منها أكثر من اللازم، ويجب أن لا تختفي أي منها بصفة نهائية، وهذه السياسة تنطبق على أحزاب المعارضة مثلما تنطبق على الأحزاب الموالية للعرش، وعلى أية حال، فإن التسميات السياسية لا تؤخذ بمأخذ الجد، وتتمثل الحكمة عند الملك في غض الطرف، بل تشجيع الشقاق، حتى بين الجماعات التي لا يشك في ولائها للقصر، وإذا كان اليسار المغربي عرضة للتدمير، فإن اليمين ليس في وضع أفضل)).

ومنذ أن حصل المغرب على الاستقلال، شهدت الحياة السياسية المغربية ما يمكن تسميته بالنسق السياسي، وهو ظاهرة انشقاق الأحزاب السياسية.. فقد بدأت أول الأمر بانشقاق حزب الاستقلال الذي كان يشكل أكبر حزب سياسي في البلاد، أسفر ذلك عن ظهور حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959، وهذا الأخير شكل أقوى حزب سياسي معارض خلال مرحلة الملك الراحل الحسن الثاني.

ولعل المتأمل في أسباب انشقاق حزب الاستقلال، هو ظهور تيارين متصارعين داخله: الأول يمكن وصفه بالمحافظ، بزعامة علال الفاسي، والثاني يمكن نعته بالثوري بقيادة المهدي بنبركة، ومازال الحديث عن الدور الذي لعبه القصر من أجل انشقاق الحزب، لكن لا يجب القول بأن ذلك كان نتيجة تدخل مباشر من القصر، أو أنه السبب الرئيسي في ذلك، بل إن الصراعات وعدم انسجام الأفكار بين التيارين، أو بالأحرى الزعيمين، هي ما جعل الانشقاق نتيجة حتمية.

ظل حزب الاستقلال منسجما بعد ذلك وموحدا، بينما دخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في عدة انشقاقات وتفرعت عنه عدة أحزاب يسارية.

لم تكن ظاهرة انشقاق الأحزاب مقتصرة فقط على الأحزاب الوطنية، بل حتى الأحزاب الإدارية التي خلقها القصر بعد الاستقلال من أجل معارضة فكرة الحزب الوحيد، ويتعلق الأمر هنا بحزب الحركة الشعبية، أول حزب إداري خلق في المغرب بعد الاستقلال، وقد تزعم هذا الحزب كل من الزعيمين الدكتور الخطيب والمحجوبي أحرضان، ويبقى الهدف من استعراض تجربة هذا الحزب، هو كيف أن صراع زعيميه أدى إلى انشقاق الحزب ونشأة حزبين قويين؟

وعن أسباب خلق هذا الحزب الإداري يقول جون واتربوري: ((لقد ساهم القصر بحظ وافر في انقسام النخبة الوطنية، إلا أن ذلك الانقسام لم يكن كافيا لتزويد النظام بما كان يرغب فيه من سلطة وهامش المناورة، وقد ظل الملك في حاجة إلى إقامة تماسك بين أتباعه، كي يضع في مواجهة الوطنيين قوة ذات مصداقية. لقد بدأ هذا المسلسل قبل الانشقاق الفعلي لحزب الاستقلال، إذ تمثلت البداية في إنشاء أحزاب جديدة وائتلافات جديدة، وفي مساندة المجموعات الموالية للنظام التي كانت موجودة آنذاك))، ورغم أن هذا الحزب لعب دورا أساسيا في مواجهة هيمنة حزب الاستقلال، إلا أنه دخل في صراعات ومشاكل مع الملكية، بدأت أولى مشاكل حزب الحركة الشعبية سنة 1961، عندما تألفت الحكومة التي ترأسها الملك الحسن الثاني في يوليوز من نفس السنة، حيث حصل الحزب على حقيبتين وزاريتين، هما وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الإفريقية التي أسندت للدكتور الخطيب، ووزارة الدفاع التي ترأسها المحجوبي أحرضان، غير أن المنصبين لم يمكنا الحزب من المشاركة في تسيير الشؤون الداخلية للبلاد، وانطلاقا من هذا الإشكال، هدد كل من الدكتور الخطيب وأحرضان الملك الحسن الثاني بالاستقالة من الحكومة في صيف سنة 1962، إذا لم تتحسن وضعية حزبهما، لكن استقالتهما قوبلت بالرفض، وقبل الاستفتاء الدستوري في دجنبر 1962، عين الخطيب وزيرا للصحة وأحرضان وزيرا للفلاحة والإصلاح الزراعي، من أجل إرضاء حزبهما، وهو ما شكل بداية هوة بين الحزب ونظام الملك الراحل الحسن الثاني.

وبعد دخول الحزب في صراع مع الملكية، ظهرت أولى بوادر الصراع داخل حزب الحركة الشعبية خلال تأسيس “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” سنة 1963، المؤلفة من الحركة الشعبية والحزب الدستوري الديمقراطي والأحرار المستقلين، حيث عارض أحرضان دخول حزبه في الجبهة، بينما وقع الخطيب مع كديرة صفقة التحالف عندما كان أحرضان في زيارة رسمية مع الملك في أمريكا.

ثم أسهمت بداية الحياة البرلمانية بعد ذلك، في بلورة الخلافات داخل حزب الحركة الشعبية، ومع الملكية، فعندما قدم حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ملتمس الرقابة ضد السياسة الاقتصادية للحكومة، أعلن حزب الحركة الشعبية أنه سيصوت لصالح مقترح الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهو ما شكل ضربة قوية للملكية، حيث تدخل الملك الحسن الثاني ليقوم بتعديل وزاري من أجل إرضاء حزب الحركة الشعبية، غير أن أحرضان تصرف فيه كيفما شاء، الأمر الذي أغضب الخطيب، وهنا تجمع عدد من البرلمانيين من الحزب حول الخطيب، وشرعوا يعرقلون عمل الحكومة التي كان حزبهم مشاركا فيها.

أثير مشروع ملتمس الرقابة من جديد بعد أحداث 23 مارس 1965، وعرقلت جماعة الخطيب عمل الحكومة من جديد، بعدما صوتت لمقترح حزب الاستقلال المعارض، الشيء الذي جعل الملك يعلن حالة الاستثناء التي عارضها الخطيب علانية.

وبعد دخول المغرب في حالة الاستثناء، دخل الخطيب وأحرضان في صراع استمر لمدة سنتين، وشاع أن الخطيب ينوي تأسيس حزب جديد، فيما استغل أحرضان سفر الخطيب إلى المملكة العربية السعودية ليقوم بطلب عقد مؤتمر للحزب أزيح خلاله الخطيب من الكتابة العامة للحركة الشعبية، الأمر الذي جعل هذا الأخير يعلن عن تأسيس حزب الحركة الشعبية الديمقراطية، وهذا الأخير ظل جامدا ودون نشاط يذكر إلى أن اندمج فيه بن كيران وجماعته، وأصبح يسمى حزب العدالة والتنمية.

دعوات الملك محمد السادس إلى إحياء وإنقاذ الأحزاب السياسية من الموت السريري

    رغم قوة الأحزاب السياسية خلال مرحلة حكم الملك الحسن الثاني، إلا أنه يمكن أن نسجل عنها، أنها لم تنخرط في عملية استقطاب الشباب. فقد سجل المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي، خلال حوار أجراه معه الكاتب والصحفي طلحة جبريل سنة 1986، أن ((الأحزاب في المغرب لم تجد نفسها من الداخل))، كما أنه يرى أن ((هناك الآلاف من الشباب المثقف لم تستوعبهم هذه الأحزاب، والأحزاب في غايتها القصوى لا بد أن تتحول إلى مدارس لتخرج كوادر متمرسة تطعم ماكنة الدولة وأجهزتها)).. لكن نصيحة المفكر عبد الله العروي لم تلق آذانا صاغية، لتدخل معظم الأحزاب المغربية في مرحلة ضعف وتراجع، حتى أصبحت خلال مرحلة حكم الملك محمد السادس، أمام تراجع ووهن خطير، وقد أبانت عدة محطات من تاريخ المغرب خلال مرحلة حكمه عن ذلك، غير أن الحدث الذي أكد ذلك بالملموس، هو أحداث الحسيمة سنة 2017، التي تركت المحتجين في مواجهة مباشرة مع الملكية، ولم يقم أي حزب يدعي القوة والنفوذ في المنطقة، بأي وساطة أو تمثيلية لمطالب سكان المنطقة.

وما يدل على الوهن والضعف، هو انتقاد الملك محمد السادس بطريقة مباشرة الأحزاب السياسية خلال خطاب العرش لسنة 2017، حيث قال في هذا الصدد: ((لقد أبانت الأحداث التي تعرفها بعض المناطق مع الأسف، عن انعدام غير مسبوق لروح المسؤولية، فعوض أن يقوم كل طرف بواجبه الوطني والمهني، ويسود التعاون وتظافر الجهود لحل مشاكل الساكنة، انزلق الوضع بين مختلف الفاعلين إلى تقاذف المسؤولية، وحضرت الحسابات السياسية الضيقة، وغاب الوطن، وضاعت مصالح المواطنين.

إن بعض الأحزاب تعتقد أن عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها، واجتماع مكاتبها السياسية ولجانها التنفيذية، أو خلال الحملات الانتخابية.. أما عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع المواطنين، وحل مشاكلهم، فلا دور ولا وجود لها، وهذا شيء غير مقبول من هيئات مهمتها تتجسد في تمثيل وتأطير المواطنين، وخدمة مصالحهم، ولم يخطر على البال أن يصل الصراع الحزبي، وتصفية الحسابات السياسوية، إلى حد الإضرار بمصالح المواطنين، فتدبير الشأن العام ينبغي أن يظل بعيدا عن المصالح الشخصية والحزبية، وعن الخطابات الشعبوية، وعن استعمال بعض المصطلحات الغريبة، التي تسيء للعمل السياسي، إلا أننا لاحظنا تفضيل أغلب الفاعلين لمنطق الربح والخسارة، للحفاظ على رصيدهم السياسي أو تعزيزه على حساب الوطن، وهو الشيء الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع.

إن تراجع الأحزاب السياسية وممثليها عن القيام بدورها، عن قصد وسبق إصرار أحيانا، وبسبب انعدام المصداقية والغيرة الوطنية أحيانا أخرى، قد زاد من تأزيم الأوضاع، وأمام هذا الفراغ المؤسف والخطير، وجدت السلطات العمومية نفسها وجها لوجه مع الساكنة، فتحملت مسؤوليتها بكل شجاعة وصبر…)).

ورغم الانتقاد المباشر الذي وجهه الملك للأحزاب السياسية، إلا أنه عاد بعد سنة من ذلك، ليدعوها إلى استقطاب الشباب وتجديد أساليب وآليات اشتغالها خلال خطاب العرش لسنة 2018، حيث قال محمد السادس: ((.. والواقع أن الأحزاب تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها، إلا أنه يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم، كما أنه يجب عليها العمل على تجديد أساليب وآليات اشتغالها، فالمنتظر من مختلف الهيئات السياسية والحزبية، هو التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، والتفاعل مع الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها بدل تركها تتفاقم، وكأنها غير معنية بما يحدث)).

ثم في خطوة مفاجئة، دعا الملك في خطاب افتتاح البرلمان يوم 12 أكتوبر 2018، إلى الرفع من الدعم المالي العمومي للأحزاب المغربية، مع تخصيص جزء منه لفائدة الكفاءات التي توظفها في مجالات التفكير والتحليل والابتكار. وأكد محمد السادس أمام مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية العاشرة، أن ((المؤسسة الملكية حريصة على مواكبة الهيئات السياسية وتحفيزها على تجديد أساليب عملها، بما يساهم في الرفع من مستوى الأداء الحزبي، ومن جودة التشريعات والسياسات العمومية)).

وقد لاحظ العديد من المراقبين، أن الالتفاتة الملكية تجاه المؤسسة الحزبية جاءت في الوقت الذي يعيش فيه المشهد الحزبي المغربي تراجعا لافتا ورتابة سياسية غير معهودة، خصوصا بعدما تراجع دور الفاعل السياسي في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة السياسية، وفي تدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، خاصة بعد أن ساهمت الاحتجاجات التي شهدها المغرب مؤخرا، خصوصا حراك الريف، في الكشف عن ضعف الأحزاب في تأطير الجماهير، ولعب دور الوساطة بين المحتجين والدولة، كما أن هذه المكونات السياسية ظلت عاجزة عن إنتاج أفكار ومقترحات تساهم في تخفيف حدة الاحتقان الاجتماعي.

إلى ذلك، رأى مراقبون، أن مبادرة رفع الدعم المالي بالنسبة للأحزاب السياسية تهدف إلى رفع مستوى أدائها في المجتمع، ومساعدتها على التواصل أكثر مع المواطنين، حيث أن هناك أحزابا سياسية تفتقر إلى مصادر التمويل الكافية لأداء مهامها، وتغطية جميع الأقاليم والمناطق، وتمويل تحركاتها وأنشطتها مركزيا ومحليا وإقليميا، وهو ما يجعل حضورها في بعض المناطق غير كاف، كما هو الحال في الأقاليم الجنوبية مثلا، وأن دعوة الملك إلى تخصيص جزء من هذا الدعم للكفاءات، يعتبر دعوة للأحزاب إلى الانفتاح على الكفاءات داخل المجتمع، فيما اعتبر آخرون، أن مبادرة محمد السادس رسالة سياسية في الوقت نفسه، تتجاوز الجانب المالي. ففي خطاب العرش، انتقد الملك الطبقة السياسية وطالبها بمزيد من الفعالية، مبينا أن المبادرة الأخيرة تأتي في هذا السياق، بمعنى توفير الإمكانيات المالية للأحزاب لكي تقوم بدورها حتى لا تتذرع بنقص الإمكانات.

غير أن واقع الحال يثبت أن الأحزاب السياسية لم تستجب للمبادرة الملكية.. فلا هي عملت على استقطاب الشباب، ولا هي تقربت من المواطنين ولعبت دور الوسيط بينهم وبين السلطة، كما لوحظت ظاهرة أخرى وهي أنه خلال مرحلة حكم الحسن الثاني، عندما كان يقع صراع داخل الحزب، يقع الانشقاق ويتم تأسيس حزب جديد بدعم من القصر أو بمبادرة من زعماء الحزب المنشقين، أما اليوم، فعندما يقع صراع داخل الحزب، أصبحت هناك ظاهرة تسمى “الترحال السياسي”، حيث يغير أعضاء الأحزاب انتماءهم الحزبي في تراجع خطير للحياة السياسية.. فما هو الحل إذن، هل هو تشجيع ظهور أحزاب جديدة بقيادات شبابية جديدة؟

صورة تؤرخ للمؤتمر الوطني الأول لمنظمة العمل الديمقراطي في دجنبر 1985

تكتل الأحزاب في جبهات.. تاريخ طويل من التجارب الفاشلة

    هناك ظاهرة تحدث باستمرار في المشهد الحزبي، وهي تكتل مجموعة من الأحزاب في جبهة واحدة، ورغم أن هذه المبادرة قديمة في الأحزاب السياسية المغربية، إلا أنها كانت مجرد شهر عسل عابر، ثم تتفرق هذه التكتلات السياسية كما هو الحال بالنسبة للصراع الحالي داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي، وهذا يمكن استكشافه من خلال إلقاء نظرة على بعض المحطات التاريخية:

– في شهر يوليوز 1970، تشكلت “الكتلة الوطنية”، وقد جمعت بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال، لكن عمرها لم يطل بعد انقلابين عسكريين متتاليين (1971 و1972).

– في سنة 1992، تأسست الكتلة الديمقراطية، وضمت خمسة أحزاب، وهي حزب الاستقلال، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ثم ما لبث أن سرى الخلاف في صفوفها، ليعلن عبد الله إبراهيم انسحاب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من هذا التحالف.

وبعد حل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي واندماجها في حزب اليسار الموحد، بقي الوضع مبهما، ما بين انسحاب وبقاء أطرافها المكونة كاملة، لتعود الكتلة الديمقراطية إلى منشئها الأول، إلى ما كانت عليه كتلة وطنية ثنائية، ثم سارت الأمور بالتدريج صوب موت إكلينيكي، بسبب الانتخابات والمشاركة في الحكومة، وظلت مسألة التحالف أمرا عصيا.

– في 12 يونيو 2009، تأسس “تحالف اليسار الديمقراطي” وأعلن عن هدفه: ((تقوية صفوف اليسار في الساحة السياسية، والتنسيق بينها قبيل الانتخابات المحلية))، ومع هبوب رياح الربيع العربي سنة 2011، وخروج حركة 20 فبراير للوجود، تداعت الأحزاب التي احتضنت شباب الحركة، لقيام تحالف فيدرالي غايته الاندماج الكلي لتحقيق حلم قيام “الحزب اليساري الكبير” وكأنها اقتباس من فكرة فرانسوا ميتران وميشيل روكار، لما صنعا الاندماج في الحزب الاشتراكي الفرنسي (1971- 1974)، وقد تشكل التحالف الجديد من: الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الاشتراكي الموحد (وريث منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وحزب اليسار الموحد)، والمؤتمر الوطني الاتحادي، فيما تم استبعاد حزب النهج الديمقراطي، بسبب موقفه الخاص من قضية الصحراء الغربية، واعتبارا لموقفه المبني على مقاطعة الانتخابات.

مثلت “فيدرالية اليسار الديمقراطي” صيغة تنظيمية لمرحلة متقدمة وانتقالية في أفق إعادة بناء حركة اليسار المغربي، تمهد لاندماج الأحزاب الثلاثة، بتبني مبدأ النضال الديمقراطي الجماهيري السلمي للمساهمة في الانتقال من نظام مخزني إلى نظام ديمقراطي، والنضال من أجل تحقيق ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم.

غير أنه بعد سنوات عجاف من خلق هذا التحالف، تبين أن الأمل كان زائفا.. فما هو الحل لخلق روح جديدة في الأحزاب السياسية المغربية ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى