المنبر الحر | الخلط بين السياسة والدين يفسدهما معا “الجزء 01”

بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيأة وجدة
إن الكثير من المتزمتين والمستغلين للدين يجعلون ما في الروايات الكثيرة التي ألفها أو تناقلها مرتزقة الخلفاء والسلاطين من رجال الدين، هو المرجع الوحيد في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وإن ناقض الكثير منه القرآن أو ناقضت الروايات بعضها البعض، أو كان ما هو منقول ومتواتر منافيا لأحكام العقل والمنطق والفطرة الإنسانية، ذلك أن بروز هذه الظاهرة المؤسفة والمسيئة لروح وجوهر الإسلام، كان دافعه الأساسي التاريخي، هو السياسة والاستيلاء على السلطة عن طريق الدين، ولذلك، فإن تلك الوضعية خدمت الحكام الطغاة ودعمت حكمهم الظالم، وقدمت لهم الأسانيد الدينية والمبررات الشرعية للتمادي في الظلم والقمع واضطهاد واستغلال عباد الله، وذلك منذ بدء حكم سلالة بني أمية واستفرادهم بالسلطة، وهذه الوضعية ممتدة إلى أيامنا هذه، حيث تتعاظم الجهود وتشتد في هذا المجال، بجعل الدين سبيلا ممهدا ومضمونا للوصول إلى السلطة وكراسي الحكم وجمع المال والحصول على الجاه، وعن طريق الدين كوسيلة رئيسية ذات فعالية من أجل تثبيت دعائم الحكم والاستحواذ كليا على البلاد والعباد عن طريق استخدام الدين وسيلة فعالة لتدويخ الناس بأفكار شيطانية.
لقد كان معاوية بن أبي سفيان، أول من استغل الدين ورجال الدين بذكاء ودهاء ومنهجية، وذلك لإضفاء الشرعية على حكمه الذي اغتصبه بالحرب والمكر والمال، وعلى حكم ابنه يزيد وحكم أسرته بني أمية من بعدهما، فقد كان معاوية سياسيا محنكا وبعيد النظر، ولذلك كان يتعامل مع الأمر كله من منظور استراتيجي شمولي، وهذا كان أمرا غير معتاد في تلك الأزمنة القديمة.. وهكذا فقد أصبح (تلقائيا) قدوة لمن أتوا من بعده من حكام المسلمين من خلفاء بني أمية باستثناء الخليفة عمر بن عبد العزيز، ومن خلفاء بني العباس، ومن سلاطين آل عثمان، وغيرهم من الحكام الجائرين الذين حكموا البلاد باسم الدين، ولا زال الدين قدوة للحكام في عصرنا الحالي، لقد أساء معاوية بذلك كله إلى الدين إساءة مزدوجة.. فقد استخدم الدين لخدمة أطماعه السياسية في انتزاع الحكم وتثبيته من بعده، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، أساء إلى الدين بإبعاده عن جوهره وروحه الأصيلة، وبتلويث صفائه وخلق الشكوك من داخله وإحداث البدع فيه، ولعل أخطر تلك البدع وأبشعها، بدعة اعتماد التوريث أساسا لنقل السلطة بدلا من مبدأ الشورى.
إن ظاهرة استغلال الدين لا زالت موجودة في مجتمعنا المغربي، خاصة فيما يتعلق بطريقة تعاطي الأحزاب السياسية مع الدين، ذلك أن علاقة المجتمعات العربية والإسلامية عامة، بالدين الإسلامي وعلى امتداد أكثر من 14 قرنا، كانت ولا زالت علاقة “نفعية” و”مصلحية” و”استغلالية”، سواء من طرف الأنظمة الحاكمة أو من طرف الأحزاب التي تسمي نفسها “أحزابا إسلامية”، والتي تمارس السياسة تحت مظلة دينية من أجل توظيف الدين في غير أهدافه ومقاصده في سوق السياسة والاقتصاد والصراعات المذهبية والطائفية، فكان أول توظيف سياسي للدين، مشهد رفع المصاحف طلبا للتحكيم في الصراع بين علي ومعاوية، ليتطور بعد ذلك ويرفع الخوارج شعارهم “لا حكم إلا حكم الله” غطاءً شرعيا لرفضهم شرعية خلافة الإمام علي، وتأصل هذا التوظيف واستمر على يد خلفاء بني أمية وبني العباس وبني عثمان، إلى سقوط نظام الخلافة على يد أتاتورك عام 1923، لكن “التسييس الديني” مستمر في مجتمعنا إلى يومنا هذا.. لقد استثمر خلفاء المسلمين الدين في توطيد حكمهم وإسباغ الصفة الشرعية عليه، بهدف إخضاع الرعية لسلطتهم وقمع المعارضين السياسيين عبر استتباع “المؤسسة الدينية” وتقريب مشايخ و”علماء” السلاطين، الذين أفتوا وشرعنوا كثيرا من السياسات والتصرفات التي لا تتفق مع الأهداف الشرعية، وقد استغلت الأنظمة الحاكمة الفتاوى الدينية في قمع وتصفية المعارضين السياسيين من الساحة السياسية على مر التاريخ الإسلامي، واتهامهم ظلما بالبغي والخروج عن طاعة إمارة المؤمنين وإثارة الثورات والفتن وشق عصا المسلمين، واستمر هذا التوظيف النفعي الميكيافيلي للدين إلى يومنا هذا، على يد الأنظمة العربية من المحيط إلى الخليج، عبر تحالفات خطيرة بينها وبين جماعات دينية تمارس السياسة النفعية بهدف كسب أصوات المواطنين المغفلين ضد القوى الأخرى المنافسة لهم في مقابل دعم السلطات لها وتمكينها ماديا ومعنويا وإعلاميا.
ومما لا شك فيه، أن العلاقة بين الدين والسياسة تعتبر إحدى أهم المواضيع التي تشغل بال المفكرين العاملين في المجالين الديني والسياسي، وقد احتدم الخلاف بين فئة داعية إلى الفصل التام بين الدين والسياسة وهم العلمانيون، وفئة أخرى تدعو إلى تطبيق الشريعة الدينية في النظام السياسي، وتؤكد على ضرورة أن تكون الشريعة هي المصدر الأساسي للحكم والتشريع في الدولة وهم “السلفيون” أو “الأصوليون”.
وكان لتطبيق العلمانية في دول الغرب، أثر كبير في تحديث النظام السياسي وترسيخ أسس الدولة الوطنية وإشاعة الحريات الدينية على مختلف أشكالها، إلا أن تطبيق العلمانية في هذه الدول أخذ بعدا إلحاديا، حيث لم يعد للعقائد الدينية التأثير اللازم في المجتمع، خصوصا لجهة تهذيب الأخلاق وفرض قواعد إنسانية للتعامل بين الناس، فأصبح الهم الأساسي للإنسان هو الربح والمال، ولم تعد تؤثر فيه العقيدة الدينية، حتى أن البعض بات يعتبر الإيمان بالله أسطورة ولى زمانها، لكن إذا نظرنا إلى واقع الحال في الدول التي تطبق الشريعة الدينية، فإن الوضع هناك ليس أفضل حالا من الدول العلمانية، فالأنظمة التي تعتبر نفسها مُطبِقة للشريعة، وإن ساهمت في ترسيخ بعض المبادئ الدينية السامية في المجتمع، إلا أنها قمعت الحريات الفردية والجماعية باسم الدين، واستغلت سلطان الدين من أجل فرض نمط معين من الحياة في البلاد، ووقفت في وجه كل محاولة لتغيير وإصلاح النظام السياسي، هذا فضلا عن انتشار ظاهرة الفساد والرشوة واستغلال النفوذ والاتجار في المخدرات وبيع الخمور وتزوير الانتخابات.. إذن، لا العلمانية على النمط الغربي هي الحل، ولا تطبيق الشريعة الدينية على النمط الإسلاموي الشرقي هو الحل أيضا.



