لم أجد في كل ما قرأت عن الحركة النقابية في الفترة الاستعمارية، بحثا أو دراسة عن جذورها، ولا مكان ميلادها ولا الغاية من تأسيسها، منذ أن كان بيت إبراهيم الروداني في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي مقرا يجتمع فيه العمال والحرفيون ليتحول في منتصف الأربعينات إلى مأوى ومقر للقادة النقابيين والسياسيين دون إثارة فضول المعمرين، لا أجد، بكل أسف، في كل ما كتب في هذا الصدد، أين تأسست الحركة النقابية؟ وكيف تأسست؟ ومن أسسها؟ وكيف تحول النقابي إلى مناضل سياسي؟ وكيف أصبح العامل مقاوما؟ وهل أجريت أبحاث ودراسات تركزت على عناصر ظروف الزمان ومكان الأحداث النقابية والسياسية؟
حين يكتب السياسي، يتحدث عن نفسه، وحين يكتب المؤرخ يبحث في الوثائق والمستندات رغم حداثة تواريخ الأحداث.. ألا تجدر مقارنة المؤرخ الذي يرغب في استقصاء ما حدث بضابط الشرطة القضائية الذي ينزل بكل ثقله إلى مكان وقوع ما وقع، ليجمع كالصحفي المعلومات فيقوم كالقاضي العادل بالتحقيق في شأنها قبل إصدار حكمه، ليصبح مرجعا تاريخيا من شأنه على الأقل أن يرد الاعتبار لرجال ضحوا بوقتهم ومالهم وحريتهم، وبالتالي، بمستقبل أبنائهم وبحياتهم فداء للوطن؟
بعد أن كان التنظيم والتأطير في بيت إبراهيم الروداني، تحول – كما أسلفت – إلى مقر للقيادة النقابية والسياسية، وعن سبب عدم إثارة فضول المعمر لتواجد غرباء في حي شعبي، يروي أحمد نجل إبراهيم الروداني: ((وقت إنزال الأمريكيين في الدار البيضاء في الحرب العالمية الثانية، كان للرئيس إيزنهاور مقر عمل في إحدى العمارات التي كانت قريبة من المجزرة التي كان يشتغل فيها والدي في “بوليفار دو لكار”، وهو حاليا شارع محمد الخامس، ربط والدي علاقة صداقة ببعض حراسه من الجنود، فكانوا يزورونه في البيت، وكان اثنان منهم من أصل لبناني، واحد منهم كان يدعى سعيد، بحيث كنت ترى من حين لآخر سيارة “جيب” أمريكية واقفة ليلا بباب منزلنا، الشيء الذي كان يفزع الفرنسيين، وهذه العلاقة طبعا لا علاقة لها بالمقاومة، والأمريكيون لم يكونوا على علم بها، بل كانت مجرد صداقة بين عرب مسلمين لا بين مغاربة وأمريكيين، وبعد أن تحول بيت إبراهيم إلى مأوى بكل ما في الكلمة من معنى، للقادة النقابيين والسياسيين، وخاصة منهم المحجوب بن الصديق الذي أتى من مكناس، والطيب بن بوعزة الذي أتى من جرادة، وعبد الرحمان اليوسفي الذي أتى من الرباط، والذي كان يستضيفه من حين لآخر احميدو الوطني، وغيرهم، ولما لم تعد الدار تتسع للاجتماع بالعمال والحرفيين، عبر امحمد العبدي المعروف بـ”الشارجان”، والذي سبق له أن شارك في الحرب الهند الصينية، والذي سيصبح فيما بعد أحد رموز المقاومة، عن استعداده لعقد الاجتماعات في بيته الكائن بدرب الفقراء))، وعن أحد الاجتماعات الذي كاد أن يعصف بالجميع، يروي محمد المرابط: ((من ذكريات تلك الأيام المشوبة بالمخاطر، أنني كنت في طريقي إلى دار امحمد (الشرجان)، وأخبئ تحت إبطي ما يناهز مائتي نسخة من مذكرات الحزب، فوجدته في دار أخرى لعامل في البناء، حيث وجدت على باب الدار أحد أفراد الجماعة وأخبرني أن الجماعة غيرت مكان اجتماعنا من دار الشارجان إلى دار العامل في البناء بعد تبليغ أحد العملاء بمقر اجتماعنا، كان يجلس إلى جانب دكان تجاري للوقود، فانتقلنا إلى مقر الاجتماع الجديد، وبدأت في تقديم توطئة للاجتماع بقليل من المواعظ وبعض الأحاديث النبوية، ثم انتقلت إلى قراءة النشرة الحزبية، وبينما أنا أقرأ النشرة، دخلت علينا ابنة العامل البنّاء وأخبرتنا أن البوليس قد دخل البيت وحاصروا المكان، فطلبت حينها أن يحاول تغفيل الشرطة، وفعلا، ذهب إلى بيته عبر السطوح وفتح لهم الباب واستفسرهم عن سبب مجيئهم، فاتهموه بفعل الاستقلال (انتما كالديرو الاستكلال هنا؟)، فأبدى لهم استعداده للتفتيش إن رغبوا في ذلك، ولما تأكدوا من عدم وجود أي شخص انصرفوا، ثم عاد عندنا لمتابعة الاجتماع، فوزعت عليهم المناشير قصد توزيعها من جانب آخر، وكنت أعود بعد الاجتماعات إلى دار إبراهيم الروداني، وقد جاء وقت أسسنا فيه عددا من اللجن كل لجنة كلفت بمهمة: توزيع المنشورات، تتبع خطوات بعض العملاء، إعداد لوائح المعمرين وأذنابهم… واستمرت تعبئة الطبقة العاملة إلى حين الإضراب التضامني على إثر اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد في 8 ديسمبر 1952، وهو الحدث الذي يعد، في نظري، بمثابة تاريخ العد العكسي لعهد الحماية)).