المنبر الحر

المنبر الحر | النقابة كأداة لمناهضة المستعمر

الحركة النقابية المفترى عليها (3)

بقلم: ذ. عبد الصمد المرابط *

    تحدثنا في المقال السابق عن لقاء محمد المرابط بالمحجوب بن الصديق صدفة في منتصف سنة 1949 في مدينة القنيطرة، في بيت خيزوة، حيث قضيا الليلة، وفي اليوم الموالي، التقوا بعمال معمل التبغ وعمال السكك الحديدية في تجمع خطابي، وذلك من أجل دعوتهم إلى الابتعاد عن نقابة القوة العاملة والانخراط في نقابة “س. ج. ت”، لكونها تسمح للعمال المغاربة بتكوين مكاتب خاصة بهم، وقبل الحديث عن المنافسة النقابية الشرسة التي كانت قائمة ما بين القوة العاملة و”س. ج. ت”، لا مناص من الوقوف على محطة القنيطرة بالنسبة للمحجوب بن الصديق، خاصة وأنه سيصبح غداة الاستقلال كاتب عاما للنقابة المغربية، بعد تعيينه عوض انتخابه من طرف عبد الله إبراهيم والفقيه محمد البصري، بعد استشارة إبراهيم الروداني، باعتباره “منظرا في الشؤون النقابية” رغم عدم صلتهم بأي نشاط نقابي، حسب ما جاء في كتاب “الفقيه البصري كتاب العبرة والوفاء” لحسن النجمي.

في القنيطرة، سيتعرف محمد المرابط على المحجوب بن الصديق، وفي بيت خيزوة، سيتبين للمسؤولين النقابيين أن لهما نفس التوجه، وهو دعوة العمال إلى الانخراط في نقابة “س. ج. ت” عوض نقابة “القوة العاملة”، وعند إلقاء القبض على المحجوب في الرباط، سيجتمع المرابط بالنقابيين من أجل البحث عن سبل اللقاء بالملك، وهو الاستقبال الذي أعطى دفعة قوة للعمل النقابي، بل للعمل الوطني بوجه عام، وهو الحدث الذي أثار غيض المستعمر، وفي نظري يمكن اعتباره بداية ثورة الملك والشعب، إذ منذ ذلك الاستقبال، ستتواتر الأحداث بكيفية متسارعة، والحدث الثاني، هو التحاق المحجوب بن الصديق ببيت إبراهيم الروداني، الذي كان في البداية يهيئ فيه محمد المرابط العمال والحرفيين البسطاء للعمل الوطني إلى أن أصبح في منتصف الأربعينيات، مأوى للنخبة السياسية والنقابية من أمثال بناصر حركات والطيب بن بوعزة والمحجوب بن الصديق وعبد الرحمان اليوسفي، وهو طنجي احتضنه العمال الطنجيون، في مقدمتهم محمد المرابط، ولو سأل الباحثون والمؤرخون عن تلك الفترة عبد القادر البدوي أطال الله عمره باعتباره مؤسس المسرح العمالي، الذي كان بحق بمثابة مهرجانات عمالية حاشدة على حقيقة التأسيس لا العمل النقابي، وإنما للكفاح الوطني من أجل الاستقلال، والبداية، بالتصدي لنقابة “القوة العاملة” التي أتى بها أرباب المعامل بتوجيه من المعمر، بل حتى الأمريكيين كان لهم موقف من تأثير نقابة “س. ج. ت”.

في لقائي مع أحمد، نجل إبراهيم الروداني، يروي في هذا الصدد، أنه بعد الحرب العالمية الثانية، كان للأمريكيين أيضا تدخل في المجال النقابي، إذ كانوا قد أوفدوا عناصر نقابية من بينهم مبعوث أصبح فيما بعد مسؤولا عن مركز المخابرات الأمريكية في شمال إفريقيا (إرفين براون)، كان في البداية يمثل النقابة الأمريكية وكان يدعو بعض المسؤولين النقابيين المغاربة إلى الابتعاد عن نقابة “س. ج. ت” لأنها منظمة شيوعية، والانخراط في نقابة لا علاقة لها بالسياسة، وأن تجنب النقابة الشيوعية هو في صالح المغاربة وفي مصلحة بلدهم، ومما أذكر، أن هذا المبعوث الأمريكي كان من حين لآخر يزور والدي في المجزرة، إلا أن القادة النقابيين ظلوا متمسكين بانخراطهم في “س. ج. ت” لأنها كانت نقابة قوية ومؤثرة، ولأنها، وهذا هو المهم، كانت تسمح للنقابيين المغاربة بأن ينخرطوا في صفوفها وأن يتناقشوا فيما يخص قضاياهم النقابية والسياسية بكل حرية.

وعن بداية محاولة التصدي لانخراط العمال في “س. ج. ت” من طرف “القوة العاملة”، يروي محمد المرابط ما عاشه في هذه المرحلة بخصوص النشاط النقابي داخل “س. ج. ت”: ((لقد كان لي فيها أربعة خلايا، وقمنا بعد ذلك بتأسيس خلايا أخرى بعد أن تطوع بعض العمال ببيوتهم التي كنا نجتمع فيها ليلا، وكان ذلك في درب السلطان ودرب الطلبة ودرب الفقرا (شارع الفداء حاليا)، فتمردنا على النقابيين الفرنسيين، وبدأ التفكير في تأسيس نقابة خاصة بنا كمغاربة، وكان ذلك في أوائل سنة 1951، ولما وحدنا كلمتنا، وقد كانت بمعمل التبغ ثلاث نقابات: “س. ج. ت” و”س. ف. د. س” و”سانديكا أوطونوم” (النقابة المستقلة)، ثم جاءت بعد ذلك نقابة فرنسية جديدة هي “القوة العاملة”، التي اقتصر دورها على محاولة استقطاب العمال المغاربة، حيث دعونا لجمع في ملعب “سطاد فيلبس”، وقبل ذلك، كانوا قد بعثوا لنا بمسؤولين من مختلف مراكز المغرب ودعونا نحن العمال، حوالي ستمائة عامل، لنصوت ونختار إحدى نقاباتهم قصد الانخراط فيها، وأخذ الفرنسيون مكانهم في المنصة المفروشة بالزرابي وجلسوا على كراسي مريحة، بينما نحن خصصوا لنا طاولات وكراسي من الدرجة الثانية، فخاطبنا ممثل “القوة العاملة” قائلا: إن س. ج. ت تعتبر قنطرة للشيوعية، والشيوعية لا تتلاءم مع الدين الإسلامي، أما “القوة العاملة” فهي مستقلة وتعنى فقط بشوؤن العمال ولا شأن لها بالأمور السياسية، وبعد ذلك، طلبوا منا أن ننخرط في نقابتهم، ثم أخذ الكلمة ممثل نقابة “س. ج. ت” متهما نقابة “القوة العاملة” بكونها أتت لضرب وحدتنا، وذلك بشراء ضمائر الناس، وأما نقابة “س. ج. ت” فهي معروفة بجديتها والتزام مسؤوليها، وطلب بدوره من الجمع الانخراط فيها، وعند نهاية تدخلات المسؤولين النقابيين الفرنسيين، طلبت الكلمة وتوجهت إليهم قائلا بأن انتقاداتهم لبعضهم البعض لا تعنينا وما يهمنا بالأساس، هو السماح لنا بتكوين مكاتب خاصة بالنقابيين المغاربة داخل نقابتهم، ثم نعمل على خلق جبهة فيما بيننا وندافع عن مصالحنا أيضا نحن المغاربة.. فرد علي كاتب “س. ج. ت” قائلا: نحن عملنا فيكم خيرا وسمحنا لكم بالانخراط في نقابتنا، والآن تطالبون بمكتب مستقل، هذا أمر غير ممكن، فأجبته: نحن منخرطون معكم، ولنا ممثلين اثنين فقط ليس لهما الحق في حضور الاجتماعات وتستغلون هذا الوضع لتدافعوا عن مصالحكم بأصواتنا، ولما لم يهتموا بهذا المطلب واعتبروه أمرا غير قابل للنقاش، انتقلوا إلى مسألة انتخاب المكتب، فرفضت وأشرت إلى الجمع بالانسحاب، فخرجنا جميعا ولم نشارك في الانتخاب، وبقي الفرنسيون وبعض عملائهم الذين افتضح أمرهم فيما بعد)).

* محامي بهيئة الرباط                    

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى