المنبر الحر

المنبر الحر | الحركة النقابية المفترى عليها

بقلم: ذ. عبد الصمد المرابط *

    بمناسبة حلول عيد العمال، ارتأيت الحديث عن الحركة النقابية التي رغم انتشارها في فترة الحماية في جل مراكز الإنتاج في مدينة الدار البيضاء، إلا أن الهدف من تأسيسها لم يكن المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية للعمال، وإنما كانت الغاية تحسيسهم بغطرسة المستعمر وبث الروح الوطنية الصادقة فيهم من أجل مقاومته، وهو عمل دؤوب بدأ خلافا لما نجده في العديد من الكتابات، في بداية ثلاثينات القرن الماضي وانتهت مرحلة التأسيس في 8 دجنبر 1952، حين اعتقل القادة النقابيون والسياسيون على إثر الإضراب التضامني على اغتيال قائد نقابة تونس، فرحات حشاد، فأصاب العمال نوع من اليتم بسبب غياب مؤطريهم، فبدأوا يفكرون في سبل مواجهة المستعمر، وعند نفي السلطان محمد الخامس رمز الأمة، كان العمال في الصفوف الأمامية لمقاومة المحتل.

متى تأسست النقابة؟ وأين تأسست؟ ومن أسسها؟ وكيف تأسست؟ في جميع ما كتب في موضوع النقابة، نجد إبراهيم الروداني والطيب بن بوعزة والمحجوب بن الصديق ولا أثر لمحمد المرابط في كتب الساسة والمؤرخين من بينهم الفقيه البصري وعابد الجابري والطيب بن بوعزة وعبد الرحمان اليوسفي، هذا الأخير كان من بين النقابيين والسياسيين الذين أوفدهم قادة الحزب بالرباط في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، من أجل الاطلاع على العمل النقابي والسياسي الذي كان يقوم به محمد المرابط في دار إبراهيم الروداني منذ سنين، حيث وجد تنظيما نقابيا قائما بذاته، لكن عناصر التنظيم والتسيير، بل والمقر الذي بدونه لا مجال للحديث عن التأسيس، ظلت غائبة في جميع ما كتبه الساسة المذكورون، بل حتى في كتاب ألبير عياش الذي يعتبر مؤرخا، في كتابه: “الحركة النقابية في المغرب”، حين تحدث عن بيت إبراهيم الروداني، اكتفى بصفحة يتيمة، وكلها معلومات مغلوطة بدءً بعنوان البيت الذي قال إنه كان يوجد بـ”كاريان سنطرال” والحال أنه كان يوجد بدرب اليهودي، وهو حاليا يسمى “درب مارتيني” بدرب السلطان، كما تحدث عن أشخاص وعن اجتماعات لا تمت بصلة لمهمة المؤرخ.. فكيف له أن يتحدث عن مسيرين وعن اجتماعات، وعن عمل دؤوب استمر لسنوات في مكان يجهل عنوانه؟ وهذه حقيقة تأسيس النقابة: في فترة الحماية، استنادا إلى مجموعة من المصادر، من بينها ذكريات الطفولة وما رواه لي والدي وما سمعته من بعض الوطنيين الذين عايشوا عن كثب مرحلة التأسيس، من بينهم عمتي المقاومة فاطمة المعروفة بـ”الطنجاوية” الذائعة الصيت في صفوف المقاومة في الدار البيضاء، وابنها المقاوم محمد التمسماني، وعميد المسرح المغربي عبد القادر البدوي، الذي أسس المسرح العمالي بإيعاز من محمد المرابط، والمناضل الهاشمي الفيلالي، الذي كان لي معه أكثر من لقاء، والطاهر غلاب، ومصطفى بن عثمان أحد قادة المقاومة الذي يعتبر بمثابة صهر إبراهيم الروداني، حيث تزوج آنذاك بأحد بناته بالتبني، بل حتى أبناء المقاوم إبراهيم الروداني في مقدمتهم أحمد، الذي روى لي في تسجيل صوتي حين التقيت به منذ سنين، حقيقة ما جرى في بيته، وهو البيت الذي ولدت وترعرعت فيه، واللائحة يعسر حصرها.

في أواخر الثلاثينيات وبالضبط في سنة 1933، وبطلب من أرباب مستودع التبغ بطنجة، انتقل مجموعة من العمال المؤهلين للعمل في المعمل الجديد، الذي تم تشييده في مدينة الكفاح الوطني، وقد شاءت الأقدار أن يحل العامل محمد المرابط (المعروف بالطنجي) جارا على المرحوم إبراهيم الروداني، وعلى مر الأعوام والشهور، يعجب صاحب الدار بهذا الرجل البشوش ذي الزي التقليدي الذي لم يره يوما مرتديا لباسا غيره، خاصة وأن العمال يرتدون عادة “الكومبليزون” في غدوهم ورواحهم، تعارف الرجلان بحكم الجوار، وأضحى العامل صديقا لصاحب المحل يجالسه فيروي له الأحاديث والمغازي في الإسلام التي كان قد تلقاها في طفولته على يد بعض الأئمة والفقهاء، من بينهم العلامة سيدي عبد الصمد كنون، إلى أن التقى الرجلان صدفة في إحدى الاجتماعات لكتلة العمل الوطني، وكان ذلك في سنة 1939، فعاتب صاحب الدار صديقه العامل إخفاءه لنشاطه الوطني، إذ سبق له أن تعرف في المسجد المحمدي بدرب الحبوس الذي كان يتردد عليه، على أحد القادة الوطنيين وهو بوشتى الجامعي، فالتحق بجماعة دار بناني بدرب كلوطي بعدما انخرط وثلة من عمال معمل التبغ منذ سنين قبل ذلك في نقابة “س. ج. ت”، حيث كان يمثل العمال المغاربة لمعمل التبغ في نقابة “س. ج. ت”، وبعد أداء إبراهيم اليمين من أجل العمل الوطني، اقترح عليه رفيقه أن يجعل داره مقرا لعقد اجتماعات لتنظيم ونشر الوعي النقابي والسياسي يحضرها عمال “الريجي” ومعارف إبراهيم الروداني، فتم تنظيم جماعات يقوم بتأطيرهم وتوجيههم العامل، حسب ما أوتي من تكوين بسيط يقتصر على التعاليم الدينية السمحة والأحاديث النبوية، وملاحم غزوات الرسول الكريم، واستمر العمل على هذه الحال سنتين أو أكثر، إلى أن أشيعت أخبار الحوادث الدامية التي عرفتها مدن فاس والرباط وسلا… إثر المظاهرات الصاخبة التي انطلقت من أحد المساجد بمدينة فاس.

* محامي بهيئة الرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى