مضى زمان كان فيه افتقارنا لمجلة أطفال رصينة أمرا مستساغا في ظل غياب مقومات التنافس المتكافئ مع المجلات القادمة من الشرق العربي، والتي اعتادت أن تطل على صغارنا شهريا، بل إن بعضها كان يصل بانتظام أسبوعيا، بفضل الدعم الحاتمي الذي حظيت به منذ صدور أولى أعدادها، فواصلت المسيرة بدون توقف، واستطاعت بذلك أن تشد إليها القراء الكثر من هذه الفئة العمرية، وأكثر من هذا، فقد كان لنصوص مأخوذة من صفحاتها حضورا داخل كتبنا المدرسية، في إشارة لا لبس فيها إلى علو كعبها في هذا المجال، غير أن واقع الحال اليوم، في اعتقادي، لم يعد يشفع لكل من وزارة الثقافة ووزارة التربية الوطنية، إغفال أمر إصدار مجلة تتوجه موادها إلى أطفالنا، فالفضاء الرقمي الرحب قد وفر إمكانيات التواصل بأيسر الطرق، وفي أعلى مستويات التتبع من قبل أعداد هائلة من المتلقين في كل وقت وحين.
فالفرصة إذن، باتت سانحة، والظرف مهيأ بشكل جيد لرسم الخطوط العريضة لمجلة رقمية، بدعم مادي ومعنوي من الوزارتين المذكورتين، تستهدف أطفالنا. ولهذه الغاية السامية، ينبغي أن يتجند في الصفوف الأمامية لإنجاح هذا المشروع، كل من المهندسين ذوي الكفاءات العالية في مجال المعلوميات لتسطير الهياكل العامة التي من شأنها أن تستوعب المضامين المتنوعة في عرض باهر ومثير، تلك المضامين التي يشرف على وضعها وتنقيحها ذوو الاختصاص في مجال التربية، وعلم نفس الطفل، فضلا عن المبدعين في مختلف الفنون التي تنال اهتمام الصغار في كل مراحل الطفولة، لا سيما وأن العالم الرقمي بات يتيح إمكانية الجمع بين ما هو مرئي وما هو منطوق ومكتوب، على قدم المساواة، فبإمكان الصغير، على سبيل المثال، أن يقرأ الأنشودة ويسمعها، ويرى المجموعة التي تؤديها، فيكفيه أن ينقر على ما يرغب فيه، وقس على ذلك المسرحية القصيرة، أو القصة المصورة، أما على مستوى المسابقات الثقافية وغيرها من فقرات التسلية والترفيه التي طالما شدت القراء الصغار للمجلات الورقية، فإنها رقميا تكون أكثر تنوعا أثناء التقديم والعرض، كما أن ظروف البحث أضحت مكفولة بنسب عالية في وسط هذا الزخم الهائل من المعارف والمعلومات التي توفرها محركات البحث لكل راغب فيها، وساع إلى الظفر بها.
إلى جانب ما سبق ذكره، فبإمكان المجلة الرقمية المأمولة، أن تكون وسيلة فعالة للتشجيع على القراءة، من خلال إدراجها ضمن أعدادها المتتالية، كتيبات “إلكترونية” ذات مضامين هادفة، وأشكال مثيرة، وخطوط واضحة جذابة، تشد القارئ من العنوان إلى آخر كلمة في الصفحة الأخيرة من هذا الكتيب أو ذاك.
وعليه، فإنه على كل من وزارتي الثقافة والتربية الوطنية، الانتباه إلى أن نسبة عالية من أطفالنا قد ولجت بشغف بوابة العالم الرقمي، فراحت أصابعهم تداعب في متعة لوحات المفاتيح الخاصة بالحواسيب، وأعينهم تتابع بشغف ما تعرضه شاشات الهواتف الذكية، وما يمت إليها بصلة، فلتستغل الوزارتان المعنيتان هذا الوضع، بدعمهما لمشروع مجلة رقمية تملأ بعضا من أوقات صغارنا في تربية أذواقهم الفنية، وتنمية معلوماتهم العامة، وتعريفهم بتاريخ بلدهم الغالي، وموروثهم المتنوع، وإنه لدعم يستحق أن تكون وراءه وزارتان ترعيان الثقافة والتربية، اللبنتان الأساسيتان داخل الهيكل العام لكل مجتمع يخطو خطواته الثابتة على درب التقدم.