في المحاكمة عادة ما تجد المتهم ودفاعه والضحية ونائبه، والشهود عند الاقتضاء، وأدوات الاقتناع التي أصبحت في السنين الأخيرة نادرة، دون إثارة دور الخبير الذي تركه جانبا كل من له علاقة بالمسطرة.
لقد حضرت مؤخرا لمؤازرة متهمة، وحين جاء دور القضية، نادى القاضي على موكلتي وأغفلني عن غير قصد، وحين تقدمت نحوه، سألني هل أنوب في القضية؟ فأيقنت أنه عقد الجلسة دون دراسة ملفه، بل إنه لم يطلع على محتوياته من بينها مؤازرتي الصريحة، وهي آخر وثيقة وضعها مساعدي بكتابة الضبط قبل انعقاد الجلسة بأيام، وقد يعزى هذا الخلل في التدبير إلى عدد الملفات التي تدرج في كل جلسة بالعشرات، وقد نجد له تبريرا حين يتعلق الأمر بالقضايا المدنية بدعوى طبيعة المسطرة التي عادة ما تكون بالكتابة، فتتحول قاعة الجلسة من جلسة للمحاكمة إلى قاعة ينتظر فيها المحامي دوره لساعة وأحيانا ساعات، إما للإدلاء بمذكرة، أو سماع قرار يقضي بالتأخير لعدم توصل أحد أطراف النزاع، وقد يتكرر نفس القرار عدة مرات دون بحث أو استفسار عن سبب عدم التوصل بالاستدعاء وما ينطبق على القضايا المدنية ينطبق أيضا على المحاكمات الجنائية، بل يزداد الأمر تعقيدا حين يقرر قاضي الاتهام وضع المشتبه فيه رهن الاعتقال، فيصبح هذا الأخير معرفا برقمين: رقم الاعتقال ورقم المحكمة، وهي في نظري إجراءات ذات صبغة إدارية قبل أن تصبح قرارات قضائية، لارتباطها بمتطلبات الترتيب والتنظيم قبل البحث أو التنقيب في الوسائل القانونية المثارة. وعلى هذا الأساس، يحق لنا أن نتساءل: هل القاضي مكلف بمهمة إدارية قبل أن تكون قضائية، أم أن الإدارة تنحصر في رئيس المؤسسات القضائية على اختلاف درجاتها، أم أن القاضي يعتبر بدوره مؤسسة قضائية، وبالتالي، مكلفا بالتدبير الإداري قبل القضائي؟ وهل الإدارة هي الرئيس والمكاتب والمصالح والأقسام وكثرة الموظفين المساعدين، أم لها ارتباط بالملفات وبالأطراف المرتبطة بها من محامين وخبراء وكتاب ضبط ومفوضين قضائيين يرأسهم القاضي باعتباره صاحب القرار، فوجب فرض إيقاعه على جميع المتدخلين، وذلك بالإشراف على توزيع المهام التي تدخل في صميم العمل الإداري، وعند التقصير، وجب الحرص على البحث عن مكامن الخلل وتحديد المسؤولية تفاديا لهدر زمن التقاضي وانسجاما مع مبدأ حسن سير العدالة؟
يذكرني هذا النوع من التسيير بالقاضي محمد لديدي، الذي كان قاضيا ورئيسا للمحكمة في الثمانينيات من القرن الماضي، فقد كان الرجل، وليسمح لي بهذا الوصف، “دينامو” المحكمة الابتدائية بالرباط، إذ تجده في التاسعة صباحا منصتا بإمعان لمرافعات المحامين في القضايا الاستعجالية دون هوادة أو تأخير، وفي التاسعة والنصف تراه يتجول ببذلته في رحاب المحكمة مراقبا عن بعد سير الجلسات، وحين يتأخر القاضي، ينادي على كاتب الضبط فيحل محله دون تردد، ضاربا بذلك مثال الحرص على ضبط المواعيد، وبعد ذلك، يقوم بتفقد مكاتب التبليغ والتنفيذ مراقبا عن كثب يوميا ودون كلل ولا ملل كل ما يجري بداخلها، وفي الساعة الحادية عشر، يستقبل المحامين والمتقاضين، وفي الثانية عشر، يبت في القضايا الاستعجالية التي لا تزال صدى مرافعات الصباح ترن في أذنيه.. وهكذا دواليك، وليست من عادتي التشخيص، لكن بصمات القاضي والرئيس النموذج، تعتبر ترجمة حية لتداخل عالم الإدارة بمجال القضاء، حيث لا يمكن دراسة القضايا وإصدار الأحكام دون ترتيب أو تنظيم، وبالتالي دون إشراف وتتبع ومراقبة سير الإجراءات من أي نوع كانت مع جميع الأطراف المعنية قبل انعقاد الجلسة.
ففي السنين الأخيرة، أصبح التطبيع مع عبارة “تأخير الجلسة” عوض “تأخير المحاكمة”.. فهل للقاضي حق الإشراف وتتبع ومراقبة جميع الأطراف التي لها صلة بالملف الذي بين يديه، تفاديا لهدر زمن التقاضي وضمانا لحسن سير العدالة؟