الأديب المبدع حر يسعد بمسؤوليته الإنسانية بتفاعله مع الذات والنص والكون، والأديب الداعية عبد، والعبد العابد صاحب قضية كذلك، يتلذذ بعبوديته ويتنعم بطاعة مولاه لعله يدرك بذلك مرتبة: “نعم العبد لنعم المولى”، قال عز من قائل: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا))، وقال جل علاه: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))، وللأديب العبد رسالة شاعرية ربانية المنحى قوامها التعلم بالقراءة مع العطاء والإلهام الرباني، والموهبة من المولى الجميل تترجم قلما بمداد الفتوحات القلبية التي ملؤها المحبة وشعارها إعمار الأرض بسعادة وعدل ورخاء وتعايش وصفاء: ((إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ))، قلب يسعد برضى الله وباللقاء المحبوب: و”هذا القرءان الكريم نفسه ألقت فيه المعجزة الدينية السامية والمعجزة الأدبية الخالدة، الأولى تظهر في المقاصد والأغراض، والثانية تتجلى في الأسلوب والبيان، والأدب عندما يلتقي بالدين ويلقح بلقاحه، ويتعطر بشذاه، يتبادلان بينهما التأثير، فالمعاني الدينية تكتسي حلة من ناصع اللفظ، وزخرف العبارة، وطلاوة الأسلوب، تفتح لها أقفال القلوب”.
إذن، جمالية النص الأدبي الإسلامي ميزتها الروحانية الجميلة والربانية الغالية، من وحي الوهاب، ثم اجتهاد المبدع الأديب المسلم الروحاني الذي يحب الجمالية التي هي من صنع الخالق البديع، فالأديب العبد يحظى بحرية المبدع الحر عند التذلل الكلي المطلق والخالص للمولى السيد الأوحد الأحد، فيدعو إلى الله بأدب، فيؤدب به الرب تأديبا.
وفي هذا المضمار، قرأنا مقالا يستحق إمعان النظر بأحد المواقع الإلكترونية، فيه تأمل فلسفي للشأن الأدبي الديني وكلمة من شاعر ملهم وأديب مفعم بعنوان: “الأدب والدين”، لكننا على العكس مما ذهب إليه الشاعر الأديب، نرى بأن الأدب والدين حاجة من حاجات المجتمع حتى يأتينا اليقين، فالأدب الديني يتميز عموما بمعناه الأخلاقي والوعظي والإرشادي كما يقول بعض الأدباء، ثم إنه ليس خاصا بالحضارة الإسلامية فقط، بل هو أساسا أدب يرجع بأصوله إلى مظاهر التعبد الإغريقي، وأيضا الكنيسة المسيحية كما يرى آخرون، فما أحوجنا لنصوص أدبية دينية، لأن دالة الحضارة حاليا، يقول أحد الأدباء الإسلاميين، يتجه تقدمها نحو مرحلة الغريزة، فخاصية الأدب الديني وخاصة الإسلامية منه، فيها تجاوز الروح للجسد الفاني لتنعتق من أسر الطين منطلقة بذلك إلى عالم الملكوت الأعلى بأعلى عليين فتشاهد الحضرة القدسية وترتوي بالمعارف السبحانية، وهكذا ينظم الشاعر الزجال بمعرفة حقيقية وليس بمحتوى بئيس، وذلك على شاكلة ومنوال نهج علي كرم الله وجهه ببلاغته، وأبو العتاهية بزهدياته، والبصيري بشعر المديح في بردته..
وأخيرا، يبقى الأدب الديني عبارة عن تجارب شخصية تفضي مع مرور الوقت إلى نظرة ربانية قوامها الاستقامة على الطريقة، والطريقة في صلب الأدب الإسلامي ترتكز على أفضل كلمة، وهي ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم والنبيون من قبله: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير))، لا إله إلا الله بها نتأدب وعليها نحيا وعليها نموت وعليها نلقى الله، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)) (متفق عليه). تلكم هي رسالة الأدب الديني الإسلامي بكل فخر واعتزاز.