المنبر الالكتروني

المنبر الإلكتروني | إن كنت اليوم الرامي فقد تكون غدا المرمى

بقلم : نزيهة كرزيما

    ليس سهلا أن تكون شجرة مثمرة في بلادنا.. فالحجارة لن تتوقف عن رميك في كل لحظة وثانية.. ليس سهلا أن تكون ناجحا والأدهى إن اقترنت بتاء تأنيث، فنجاحك في نظر الفاشلين وما أكثرهم هو تسلق غير مشروع ووصولية، كلما خطوت إلى الأمام.. وارتقيت.. كلما زاد عدد الرماة، فللنجاح ضريبة.. وضريبة النجاح تحمل تلك الحجارة التي تنهال عليك في كل خطوة تخطوها.. فإما أن تحملها فوق ظهرك فتثقل خطواتك وإما ترصها وتجعلها سلما ترتقيه. حجارة كثيرة رميت بها خلال مسار حياتي المهني وتحملتها غير آبهة.. بعضها كان موجعا ومؤلما، لكنها لم تكن لتثبط عزيمتي أو لتوقفني عن تحقيق أهدافي وأداء رسالتي، وتعلمت في كل خطوة أن الرمي دليل على أني  أسير في الطريق الصحيح، واليوم وأنا أعيش تجربة جديدة مع الرمي أستحضر ما مررت به خلال الاثنتي وعشرين سنة من مجال التربية والتكوين كأستاذة ربت لمدة ثلاثة عشرة سنة جيلا كاملا بكل حب وتفان.. وتسع سنوات كمسؤولة إدارية.. مسار مهني مقترن بمسار شخصي متوازيان متقاطعان متدفعان.. بين أسرتي الصغيرة والكبيرة.. عطاء هنا وعطاء هناك.. بذات الحب بذات التفاني.. وأكثر ما اعتز به خلال كل تلك السنوات.. ليس تلك المناصب التي توليت ..ولا تلك المراتب التي حزت.. ولا شهادات التنويه أو التقدير.. بل تلك العلاقات الإنسانية التي نسجت مع أفراد أسرتي الكبيرة أسرة التربية والتكوين.. تلميذات وتلامذة.. استاذات وأساتذة.. أطر تربوية وإدارية اعتبرهم جزء مني وأنا جزء منهم.. يطالني ما يطالهم.. لم أفكر يوما ان أُتهم ظلما وعدوانا باحتقار فئة منها او تحريض او إساءة  لفرد منها.. دقيقة وأربعون ثانية من مقتطف فيديو صور خلسة وفي غفلة مني  كافية لتمحو لدى البعض كل تلك السنوات.. وتحولك في لحظة إلى مجرم يقذف في قفص الاتهام.. وبدون الحق في الدفاع.. تثبت التهمة ويصدر الحكم.. من القاضي ومن المتهم ؟

بدليل باطل خُرقت فيه كل القوانين والأخلاقيات تصويرا وتداولا وتحويرا تعالت الأصوات مطالبة بالقصاص.. مكيلة الاتهامات.. قاذفة بالإهانات.. وفي الفضاء الأزرق الذي أحيلت زرقته سوادا لم تتوقف الطقطقات على المفاتيح لتحول الكلمات إلى لكمات.. وهي تحسب أنها تحقق انتصارات، وفي الميدان صدحت أصوات الفرسان، فقد زلت قدم البقرة.. استلت السكاكين وهللت الحناجر الله أكبر.. وبين كل تلك اللجة أجدني أتمعن هذا الواقع الغريب تتملكني الحسرة والخيبة العميقين.. إلى ما آلت إليه حال هذه الأسرة الكبيرة التي كانت يوما قدوة للتربية والتعاضد والتضامن، أتحسر على  واقعنا المرير.. على تهافتنا لطعن بعضنا البعض كأننا لسنا من جسد واحد.. على ما وصلنا إليه.. بات التلميذ يصور أستاذه فنصفق له إجلالا.. والأخ يطعن أخاه ويفتخر بنهش لحمه بين الصفحات والتدوينات، لم أدافع ولن أدافع.. لأني ما قبلت الاتهام.. وفي دفاعي قبول.. لكني اعتذرت لمن أساء إليه ذلك الكلام المبتور عن السياق.. لأن الناس لا ترى إلا ما يُعرض لها.. فوجب علي الاعتذار لا على الفعل ولكن على أثر الفعل.. اعترفت بالخطأ لا الجريمة التي ألصقت  مع صورة  شخصية لي للمرة الثانية في خرق للقانون.. والخطأ وارد فلا عصمة لمخلوق من الوقوع به.. أما الجريمة فلها أركان يدركها أصحاب القانون والتشريع.. ولا أركان لما سموه جريمة.. فلا نية القصد ولا تخطيط مسبق.. ولا دافع. فمالذي يدفعني لأمس بمن هم جزء مني.. وأنا جزء منهم.

زادتني هذه التجربة قوة وإصرارا، وعلمتني عبرا ودروسا، ما نقدم في حياتنا من خير نجده عند الله مضاعفا فمقابل تلك السكاكين التي استلت.. امتدت لي أذرع وايادي، أهديت لي زهور وورود ممن علمت يوما حرفا، ممن ربطتني وإياهم السنون رابطة الصداقة المتينة والحب الاخوي، من أناس مروا بحياتي فسخرني الله لأكون خادمة لهم، من زميلاتي وزملائي، من أساتذتي، من أسرتي.. مقدار الحب الذي غمرني غسل كل أدران الكراهية وكلمات الإساءة.. فتحولت المحنة إلى منحة عشت تفاصيلها وانتشيت بشذاها وحلاواتها.. أروع ما قد نلقاه هو أعمالنا الخالصة وقد تحولت إلى درع  حصين يقينا ضربات الحجارة والسهام المسمومة.

وأخيرا، رسالتي لكل قارئ لكلماتي.. لا تحكموا على الناس مما يقول فيهم الناس.. خاصة في هذا الزمن الخداع.. لا تصدقوا الكلام المبتور.. ولا تنجروا وراء السيول.. تبينوا الحقائق قبل قذف الحجارة.. فإن كنت اليوم الرامي فقد تكون غدا  أنت المرمى.

‫8 تعليقات

  1. تلميذك انا استاذتي درست عندك الرابع والخامس والسادس ثلاث سنوات استمتعت فيها بالتعلم الحقيقي وما أدركت قيمة وجودة طريقتك في التدريس حتى اصبحت استاذا ارفع لك القبعة إجلالا وتبجيلا واحتراما كمعلمتي اولا وكموظفة يشهد لهاراميها بالكفاءة قبل مفتديها … دمتي قمة شامخة استاذتي.

  2. المسلم من سلم الناس من لسانه وانت لسانك تعدى كل الحدود يجب عليك صيانته وان تكوني كما تدعين ثمرة مثمرة فثمارك يجب أن تكون كذلك لا ان تكون علقم اتقي الله فما طار طائر وارتفع الا وكما طار وقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى