السياسة إن صح التعريف، هي تصور في صيغة مخطط يرمي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية على امتداد ربوع أرجاء الوطن، وحين تلصق بسلطة القضاء، يصبح الأمر في نظري بالغ الأهمية، لارتباطه بحرية الإنسان من ساعة خضوعه للمساءلة إلى حين صدور آخر قرار بالإدانة، بل يمتد الأمر إلى ضرورة التكفل به وتأهيله طيلة مدة اعتقاله على أمل إعادة إدماجه في المجتمع، وهو ما يتطلب نهج خطة متكاملة من المفروض أن يشارك في إعدادها خبراء من مختلف التخصصات، وهو ما دفع البرلمان إلى إقحام السياسة في القضاء حين كلف هذا الأخير بتدبير ما أسماها “السياسة الجنائية”.
في إحدى فصول قانون المسطرة الجنائية، كلف المشرع وزير العدل، بمهمة تنفيذ السياسة الجنائية، وهو نص، حسب علمي، لا نظير له في القوانين الأجنبية، وما دام الأمر يتعلق بالسياسة، فلا أدري هل الأحزاب بوجه عام اهتمت بالموضوع وخصصت له دراسات وخرجت بتصورات واضحة المعالم في هذا المجال، وأخذت حيزا من برامج الحكومات المتتالية، وهو تصور من وحي الخيال، لا حين كانت ولا تزال تشكل من ساسة وتكنوقراط، وإنما لوجود وزراء بعضهم يدعون الأصالة، وآخرون يزعمون المعاصرة، وفي الحكومة الحالية تجسيد لهذا التناقض الصارخ، وذلك حين تجد على سبيل المثال في حكومة محافظة وزيرا من اليسار مكلفا بالإشراف على تنفيذ السياسة الجنائية!
في السنوات الأخيرة، قررت الحكومة بمقتضى قوانين، فك قيد السلطة القضائية، فأصبح لكل من المجلس الأعلى للقضاء ورئاسة النيابة العامة، مهمة مزدوجة: الحرص على حسن سير العدالة، وتدبير السياسة الجنائية.
إن من يطلع على القوانين الأخيرة، وخاصة منها تلك التي كرست استقلال القضاء، وأرست قواعد الحكامة، بدء برئاسة المحكمة وانتهاء بأعلى سلطة قضائية، يقتنع أن القضاء على مستوى التشريع، يضاهي قضاء البلدان المتقدمة، إلا أنه في الآونة الأخيرة، يظل التعثر باديا للعيان.. فهل الأمر في هذه الحالة يحتاج إلى بيان؟ وكم عدد القضايا المعروضة حاليا على المحاكم التي تشغل بال الرأي يشار إليها بالبنان على جميع الأصعدة، السياسية والحقوقية، وخاصة تلك التي تتابعها المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية؟
صحيح أن لهذه الأخيرة مجرد شكوك إن لم تكن تكهنات مادامت لم تتتبع عن كثب مجريات الأبحاث والتحقيقات، وإذا كان لقاضي التحقيق أو المدعي العام حق قيد حرية الإنسان بدعوى وجود قرائن شريطة أن تكون قوية أو من أجل ضمان توفير الشروط الكفيلة بجمع الأدلة، فإن مرحلة المحاكمة من شأنها الكشف عن الحقيقة، شريطة إجرائها وفق الضوابط القانونية.
قد يصاب المرء بمزيج من الإعجاب والذهول، حين يقارن ديباجة قانون المسطرة الجنائية التي تتحدث عن غزارة الشروط القانونية الكفيلة بضمان محاكمة عادلة، من بينها على سبيل المثال، تمتيع المتهم بالحق في العلم بجميع أدلة الإثبات أو البت في التهم داخل أجل معقول.
إن السياسة الجنائية لا ينبغي، في نظري، أن تقتصر على البحث عن سبل إعادة إدماج السجين في المجتمع، وإنما تبدأ – كما أسلفت – من ساعة خضوع الإنسان للمساءلة الجنائية، وهي مسؤولية حقوقية قبل أن تكون قضائية تتحملها سلطة الاتهام التي خول لها المشرع حق إصدار أوامر الإحضار أو الاعتقال بشروط حددها المشرع بكل دقة، قد تعتبر بلادنا نموذجا في تدبير شؤونها الداخلية، وفي هذا الصدد، هل نحتاج إلى إعادة قراءة صفحة الماضي، أو التذكير بالمجهودات المضنية التي بذلها مناضلو حقوق الإنسان حين أسسوا هيئة “الإنصاف والمصالحة” فابتكروا فكرة العدالة الانتقالية.
لا شك أن لكل من له صلة بهذا المجال، يتتبع ببالغ الحسرة ما يجري حاليا على الساحة الحقوقية من تجاوزات، في مقدمتها القيود المفروضة على حرية الرأي والصحافة، ولقد أبدعنا – كما أسلفت – في جميع المجالات على مستوى التشريع، لكن في مجال الإعلام على سبيل المثال، لم يعد لنا وزير، وفي مجال العدالة لم يعد للوزير وصاية على القطاع، وفي مجال حقوق الإنسان لم يصبح المجلس مؤسسة دستورية فحسب، وإنما أضحى كامل العضوية في أعلى مؤسسة قضائية، وبالتالي، فهو متحمل بقوة القانون والدستور معا مسؤولية السهر على حماية حقوق الإنسان في جميع المجالات، في مقدمتها مراقبة التجاوزات القانونية في جميع أطوار المسطرة باستثناء مجال حقوق الإنسان، المتخم بالمرافق الرسمية، فلم يعد للأحزاب ولا للحكومة دور ولا تأثير على ميدان الصحافة ولا على الشأن القضائي، وهي جميعها على ما يبدو مؤسسات دستورية مستقلة بقوة القانون، إلا أنه يوجد تناقض صارخ ما بين التشريع والتنظيم، وما نعيشه حسب ما نسمع ونقرأ، بل وما نعيشه على مستوى التقاضي؟