ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | عندما طالبت الأحزاب بتحكيم الملك الحسن الثاني

هل يطالب حزب العدالة والتنمية بتحكيم ملكي في القاسم الانتخابي ؟

عاش المغرب في الأيام القليلة الماضية نقاشا وسجالا حادا بسبب تعديل قانوني يهم الانتخابات القادمة، ويتعلق الأمر بالقاسم الانتخابي، ورغم أن السواد الأعظم من المغاربة لا يعرفون لهذا القانون معنى، ربما لأنه لا يهمهم، إلا أن حزب العدالة والتنمية وقف وحيدا ضد هذا القانون وكان الوحيد الذي صوت ضده، بل أصبح اسم يوم التصويت على القاسم الانتخابي يسمى عندهم “الجمعة السوداء”. ورغم انهزام الحزب في عملية التصويت بالبرلمان، إلا أنه يعتزم اللجوء إلى المحكمة الدستورية، للطعن في القاسم الانتخابي.

والحال أن هذه ليست المرة الأولى في تاريخ المغرب التي يصل فيها النقاش حول القوانين الانتخابية إلى هذا المستوى، وكمثال على ذلك، ما جرى سنة 1992 حول القوانين الانتخابية، عندما طالبت أحزاب الكتلة الديمقراطية بالتحكيم الملكي حول بعض النقط المتعلقة بالقوانين الانتخابية، نستعرض في هذا الملف كيف كان التحكيم الملكي.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال بعد الإعلان

سياق مطالبة أحزاب الكتلة الوطنية بالتحكيم الملكي حول القانون الانتخابي لسنة 1992

    كان من نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 1984، تموقع الأحزاب السياسية، سليلة الحركة الوطنية، في المعارضة البرلمانية، وفي المقابل، شكلت الأحزاب الجديدة أغلبية برلمانية وألفت الحكومة التي كان مقررا أن تنتهي ولايتها سنة 1990، إلا أن التطورات التي شهدها ملف الصحراء سنتي 1990 و1991، إضافة إلى عزم الملك الراحل الحسن الثاني على إجراء استفتاء دستوري سنة 1992، أجل الانتخابات الجماعية والتشريعية، وهو الأمر الذي أدى إلى تمديد عمر الحكومة إلى سنة 1992، وقد عرف المغرب طيلة السنتين الأوليتين من عقد التسعينات من القرن الماضي، حركة سياسية داخلية نشيطة، بفعل طلب الملك من جميع الهيئات السياسية تقديم مقترحاتها حول الدستور الجديد.

وبالموازاة مع ذلك، شهدت البلاد نقاشا حادا حول مدونة الانتخابات الجماعية لسنة 1992 والتشريعية لسنة 1993.

لقد رأت المعارضة المكونة من حزب الاتحاد الاشتراكي، حزب الاستقلال، حزب التقدم والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أنه في إصلاح مدونة الانتخابات، بوابة حقيقية لتدشين المسلسل الديمقراطي، لذلك سعت إلى وضع مقترح قانون ينظم الانتخابات الجماعية والتشريعية، طالبت من خلاله بتغيير طريقة انتخاب أعضاء البرلمان ورؤساء المجالس البلدية والقروية، وقد تضمن مقترح القانون الذي تقدمت به أحزاب المعارضة، خمس نقط أساسية، وهي أولا: تخفيض سن التصويت إلى 18 سنة، ثانيا: تخفيض سن الترشح للانتخابات إلى 21 سنة، ثالثا: تغيير طريقة الاقتراع، حيث طالبت باعتماد الاقتراع باللائحة عوض الاقتراع الفردي المعمول به، رابعا: تركيب اللجان الإدارية، وخامسا: رئاسة مكاتب التصويت.

تتمة المقال بعد الإعلان

غير أن أحزاب المعارضة التي شكلت الكتلة الديمقراطية انطلاقا من 17 ماي 1992، أدركت صعوبة تمرير مقترح قانون تعديل مدونة الانتخابات أمام لجنة العدل والتشريع بالبرلمان، وعلى هذا الأساس، بادرت إلى نهج سياسة جديدة، وهي رفع مطالبها على شكل مذكرات مباشرة إلى عاهل البلاد، وأمام هذه المناورة، قامت الأحزاب المشكلة للحكومة بتمرير مشروع قانون الانتخابات بواسطة أغلبيتها البرلمانية، دون الأخذ بعين الاعتبار المقترحات التي طالبت أحزاب المعارضة بإدخالها.

لم تنته الأمور عند هذا الحد، بل كان ذلك بداية مرحلة جديدة في هذا الصراع، الذي تحول من صراع بين المعارضة والأغلبية إلى محاولة طلب تدخل الملك من أجل فض هذا النزاع، وشهدت نهاية أبريل 1992، حركة سياسية كثيفة داخل القصر الملكي، حيث استقبل الملك الراحل الحسن الثاني يوم 26 من هذا الشهر، قادة الأحزاب السياسية المشكلة للمعارضة، وهم امحمد بوستة الأمين العام لحزب الاستقلال، ومحمد اليازغي الكاتب الأول بالنيابة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعلي يعتة الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، ومحمد بنسعيد أيت إيدر الأمين العام لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وفي اليوم الموالي، أي 27 أبريل، استقبل عاهل البلاد رؤساء الأحزاب السياسية المشكلة للحكومة وذات الأغلبية البرلمانية، وهم أحمد عصمان رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، وعبد اللطيف السملالي ممثلا لحزب الاتحاد الدستوري، وامحند العنصر الأمين العام للحركة الشعبية، ومحمد أرسلان الجديدي الكاتب العام للحزب الوطني الديمقراطي، والمحجوبي أحرضان الأمين العام للحركة الوطنية الشعبية، وحضر إلى جانب الحسن الثاني، أحمد رضا جديرة، المستشار الملكي.

أسباب قبول الملك القيام بمهمة التحكيم في القانون الانتخابي

    وبعد يومين على هذه المشاورات السياسية، وجه الملك خطابا للأمة يوم 29 أبريل من نفس السنة، جاء فيه: ((شعبي العزيز، لا شك أنك قرأت في الصحف أن ثلة من الأحزاب السياسية، خاصة تلك التي ليست في الحكومة، بعد أن استقبلتها، طلبت مني التحكيم.. التحكيم في ماذا؟ ولماذا؟)).

ففي بداية الخطاب الملكي، شرح العاهل لماذا هذا التحكيم الملكي، حيث عبر عن ذلك بالقول: ((لماذا التحكيم؟ التحكيم لأن الأحزاب السياسية التي قابلتها والتي ليست في الحكومة، تعتقد وتعتبر أن عملية كعملية تدارس القانون الانتخابي والنظر والبت فيه، ليست عملية روتينية أو تصويتا روتينيا، بحيث يكتفي فيه بأخذ رأي الأغلبية دون الأقلية نظرا لما يكتسيه هذا القانون وما يترتب عليه من تبعات جسام، هذا هو سبب التحكيم، ولكن ما هي نوعية التحكيم؟ هل طلب مني أن يكون حكمي حكما قضائيا؟ لا، وهل طلب مني في التحكيم أن أقول ما يقوله الدستور؟ لا أعتقد ذلك، لأنه لو أخذت بنصوص الدستور لقلت لهؤلاء السادة، مع احترامي وتقديري لما تقولون: هناك مسطرة أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، فعليكم أن تتبعوا المسطرة، وبعد ذلك ستعرض مشاريع القوانين على الجلسة العامة للبرلمان ويقع التصويت عليها، فليس هناك في الدستور أي فراغ يؤهلكم ويؤهلني كذلك لأن تحتكموا إلي وأقبل التحكيم)).

وتابع الملك في خطابه شرح الأسباب التي جعلته يقبل بأن يكون حكما بالقول: ((ولكني في الحقيقة، فهمت وأدركت أن التحكيم هو قبل كل شيء تحكيم سياسي، وهذا ما جعلني أفكر فيه سريعا وأقبله بكيفية بديهية، لماذا؟ لقائل أن يقول: كيف يمكن التراجع عن قانون انتخابي تقرر في المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك؟ فبمجرد ما يترأس الملك ذلك المجلس ويقبل مشاريع القوانين، تعرض تلك القوانين بكيفية تلقائية على البرلمان، ويقول فيها كلمته على الطريقة المعهودة، فهل هناك تناقضا من لدني؟ لا، ليس هناك تناقضا، لأنني وفي لمنطقي، ووفي لمقولاتي، فأنا كلما أتيحت لي الفرصة لأن ألتقي بأعضاء البرلمان المحترمين، إما في البرلمان عند افتتاح دورته، وإما خارج البرلمان، يسمعون مني دائما أنه “لا فضل للأغلبية على الأقلية ولا للأقلية على الأغلبية إلا بالصواب”، فأنا إذن أمام وزراء من نوع آخر، وأمام جماعة من المغاربة مواطنين اعتقدوا أن من باب النصيحة أن يقولوا لي إن العملية خطيرة، ولنا اليقين أن تقديرك لخطورتها لن يجعلك تكتفي بالأصوات وترجح الأكثر على الكثير)).

وخلال خطابه، انتصر الملك الراحل لأحزاب المعارضة عندما طلبت منه التحكيم في هذا الموضوع، من خلال التعبير عن ذلك بالقول: ((والحقيقة، أنهم أصابوا، لأن هناك إشكالية سياسية مثل هذه لا غلبة للعدد، بل الغلبة للرأي، والرأي يكون دائما سديدا كلما أخذت بعين الاعتبار جميع الآراء ولو كان أصحابها قلة بالنسبة للآخرين)).

وقبل أن يختم كلمته، أعلن العاهل المغربي أنه سيقوم بخلق لجنتين مكلفتين بالانتخابات: الأولى “لجنة التحكيم” أنيطت بها مهمة النظر في القوانين الانتخابية بهدف الوصول إلى نوع من التراضي، ثم تعرض نصوصها على البرلمان لينتهي دورها، وقد شكلت هذه اللجنة من ممثل لوزارة الداخلية وممثل عن حزب سياسي كان متواجدا بالبرلمان، وبخصوصها أعلن الحسن الثاني أنها ستجتمع به يوم فاتح ماي، أي بعد الخطاب بيومين. الثانية: “لجنة وطنية لمتابعة سير العمليات الانتخابية” تشرف على لجان إقليمية يرأسها قاضي، وتتكون من عامل الإقليم أو العمالة ممثلة من كل حزب من الأحزاب الممثلة في البرلمان.

بدأت أولى خطوات الملك من أجل القيام بهذا التحكيم، حيث ترأس يوم فاتح ماي من نفس السنة، لجنة التحكيم التي تألفت من كل من أحمد عصمان رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عبد اللطيف السملالي عن حزب الاتحاد الدستوري، امحمد بوستة الأمين العام لحزب الاستقلال، امحند العنصر الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، عبد الرحمان اليوسفي الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، محمد أرسلان الجديدي الكاتب العام للحزب الوطني الديمقراطي، المحجوبي أحرضان الأمين العام للحركة الوطنية الشعبية، علي يعتة الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد بن سعيد أيت إيدر الأمين العام لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، مولاي مصطفى بن العربي العلوي وزير العدل، إدريس البصري وزير الداخلية، وعباس القيسي الأمين العام للحكومة، وناقشت اللجنة طيلة أسبوعين، القوانين الانتخابية، وبقيت خمس نقط معلقة، وهي التي سيحكم فيها الملك.

وفي خضم ذلك، أقدمت أحزاب المعارضة على خطوة مهمة، وهي الإعلان عن تشكيل تحالف بينها أطلق عليه اسم “الكتلة الديمقراطية”، ضمت خمسة أحزاب، وهي حزب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وبعد يوم على تأسيسها، استقبل الملك الحسن الثاني رؤساء الأحزاب السياسية المكونة لها: وهم امحمد بوستة، عبد الرحمان اليوسفي، علي يعتة، محمد بنسعيد أيت إيدر، وقد حضر اللقاء المستشار الملكي أحمد رضا جديرة، بينما تخلف عن الحضور الأمين العام لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، عبد الله إبراهيم.

هكذا كان التحكيم الملكي ضد مطالب أحزاب الكتلة الوطنية

    وجه الملك خلال نفس اليوم، رسالة جوابية لأحزاب الكتلة الوطنية حول التحكيم الذي طلب منه القيام به، أي يوم 18 ماي 1992، حيث أكد الحسن الثاني في بداية الرسالة، أنه قبل التحكيم المرفوع إليه في شأن قضايا يثيرها إعداد القوانين الانتخابية، وأوضح أنه قرر قبول ذلك، نظرا لشعوره بالمسؤولية العظمى التي تفرضها البيعة، ويلقيها على عاتقه الدستور الذي ينص على أن ((ملك البلاد هو الراعي الأمين لحقوق المواطنين وحرياتهم، أفرادا كانوا أو جماعات)).

وضمن نفس الرسالة، أضاف الملك أنه كون لجنة تضم الأحزاب السياسية الممثلة في مجلس النواب، إضافة إلى وزير العدل ووزير الداخلية والأمين العام للحكومة والمستشار الملكي، وتابع أنه تمت في إطار هذه اللجنة الاستجابة لعدد كبير من المطالب المقدمة من طرف مختلف شرائح الرأي العام.

غير أن الملك استطرد قائلا أن ((هناك خمس مسائل ظلت معلقة، لم تتمكن اللجنة من اتخاذ موقف موحد منها، ويتعلق الأمر بسن التصويت، وسن الترشح للانتخابات، وطريقة الاقتراع، وتركيب اللجان الإدارية، ورئاسة مكاتب التصويت))، وهي القضايا التي اعتبر أنه عليه أن يفصل فيها باعتبار ما تقضي به المصلحة العامة ويستجيب للواقع المغربي.

بخصوص النقطة الأولى، التي كانت أحزاب الكتلة الوطنية تطالب بها، وهي تحديد سن التصويت في ثمان عشر سنة، كان رأي الملك وحكمه عليها هو الرفض، حيث اعتبرها غير مناسبة، وعلل ذلك بالقول أن ((المرء في سن الثامنة عشر سنة لا يبلغ درجة النضج الفكري التي تتيح له التمييز بين البرامج السياسية ولا اختيار المرشحين، وبالتالي اختيار المرشح المناسب بعد تفكير عميق، وذلك بعيدا عن التجاذبات الظرفية وما يصاحبها من جيشان العواطف الجامحة وفورات الاندفاع العابرة))، أما المسألة الثانية، وهي سن الترشح للانتخابات، فقد كان حكم الملك فيها أنه ((ينبغي ضرورة أن يراعى في تحديدها بلوغ المرء مرحلة من العمر يكون قد اكتسب فيها تجربة كافية في مختلف مجالات الحياة، تمكنه من المساهمة بفعالية في اتخاذ القرارات التي تتطلبها المصلحة العامة، سواء تعلق الأمر بالوطن أو الجماعة المحلية التي يشارك في إدارتها، وصرف اعتماداتها المالية واتخاذ القرارات المناسبة))، وعليه، ((حدد الملك سن الثالثة والعشرين كسن مناسبة للترشح للانتخابات، لأن هذا السن سيمكن الشباب بطريقة مكثفة من ممارسة تدبير شؤون الأمة))، وهو خلاف ما طالبت به أحزاب الكتلة.

وفيما يتعلق بالنقطة الثالثة، وهي المتعلقة بطريقة الاقتراع، فقد فصل الملك فيها القول باعتماد نظام الاقتراع الفردي المعمول به في المغرب والعديد من دول العالم، وعلل اختياره نمط الاقتراع هذا بكونه يناسب الواقع المغربي أكثر من غيره، لما يتسم به من بساطة في التصور وسهولة في التطبيق، وما يتيحه من إحكام الروابط بين الناخبين من جهة، والمنتخبين من جهة ثانية، وإضافة لذلك، فقد اعتبر الملك أن ((نظام الاقتراع الفردي لا يحول دون ما تتيحه طريقة الانتخاب بالقوائم، من إبراز أغلبية متجانسة تضمن إدارة شؤون الجماعات المحلية بصورة يطبعها الاستقرار والفعالية، كما هو عليه الحال الآن في جل الجماعات الحضرية والقروية)).

وفيما يتعلق بتركيب اللجان الإدارية، وهي النقطة الرابعة، فقد ذكر الملك من خلال هذه الرسالة أنه ((في إطار اللامركزية، يجب أن يترأس اللجان الإدارية رئيس مجلس الجماعة الحضرية أو القروية، أو شخص ينتخبه المجلس الحضري أو القروي، مع ضرورة مراعاة أن تنظيم الانتخابات هي من الشؤون التي تدخل في اختصاصات الدولة، وأنه إذا كان في إمكان الدولة في إطار الديمقراطية تفويض بعض اختصاصاتها إلى المنتخبين، فإن هؤلاء لا يمكنهم أن يمارسوها في نطاق ازدواجيتهم الوظيفية إلا تحت مراقبة السلطات المركزية المعنية))، بينما النقطة الخامسة والأخيرة وهي المتعلقة برئاسة مكاتب التصويت، فقد كان حكم الملك فيها أن ((يتولى الوالي أو العامل تعيين رؤسائها))، وعلل حكمه بكون ((إسناد رئاسة مكتب التصويت إلى منتخب يكون في غالب الأحيان مرشحا للانتخابات في الوقت ذاته، من شأنه أن يخل بمبدأ الحياد وبما تتطلبه المساواة بين جميع المرشحين في جميع مراحل العملية الانتخابية)).

وختم الملك رسالته بالتالي: ((تلكم هي طريقة عملنا، وما ارتضيناه لشعبنا، وقد وفقنا به بين مختلف الآراء والمواقف، حتى يسلم الجميع بهذه الحلول، ويلتئم حولها الوفاق والتراضي، ليتابع شعبنا مسيرته على النهج الديمقراطي الذي لا رجعة فيه، ولنسير صفا واحدا محققين في الآجال المضروبة مسلسل الاستفتاء في الدستور والانتخابات مجتمعين في كل ذلك على كلمة سواء، والسلام)).. هكذا، فقد كان التحكيم الملكي في غير صالح أحزاب الكتلة الديمقراطية، وهو الأمر الذي أدى بها إلى الدخول في مرحلة جديدة من المعارضة.

مناورات أحزاب الكتلة الوطنية

     ترأس الملك مراسيم تعيين اللجنة الوطنية المكلفة بالإشراف على الانتخابات يوم 9 يونيو 1992، وخلالها قام المستشار الملكي أحمد بن سودة، بتلاوة الرسالة الملكية خلال هذا الاجتماع، والتي جاء فيها: ((إن الملك من باب حرصه، ومن أجل زيادة الاحتياط في جعل الانتخابات حرة ونزيهة، فقد قرر إحداث لجنة مركزية ولجان إقليمية، للسهر على سلامة الانتخابات في جميع مراحلها من التسجيل في اللوائح الانتخابية إلى إعلان نتائج الاقتراع))، كما تضمنت الرسالة شرحا مفصلا لمكونات اللجنة المركزية واللجان الإقليمية، ثم ألقى الملك خطابا خلال نفس اليوم، شرح من خلاله أسباب إحداث هذه اللجنة المركزية للإشراف على الانتخابات، كما فصل في أسباب تعيين قاض على رأسها، غير أن أحزاب الكتلة الوطنية استمرت في معارضة إقامة هذه اللجنة، حيث أرسل زعماء الأحزاب المكونة لها يوم 19 يونيو 1992، رسالة إلى المستشار الملكي أحمد رضا جديرة، يقترحون من خلالها إنشاء لجنة وطنية تتمتع بصلاحيات واسعة ومتنوعة في مجال الانتخابات.

لم يتأخر المستشار الملكي في الرد عليها، فقد أرسل رسالة جوابية لهم يوم 25 يونيو 1992، جاء فيها: ((لاحظت أنكم تقترحون بصورة خاصة إنشاء لجنة وطنية تتمتع بصلاحيات واسعة ومتنوعة في مجال الانتخابات، الأمر الذي يجعل منها – بالنظر إلى الاختصاصات التي تطلبون إسنادها إليها – حالة قانونية شاذة، وجهازا يحل محل المؤسسات القائمة ويتسم بخلط بين السلطات يتجلى عدم دستوريته واضحا للعيان)).

وذكر المستشار الملكي بالأهمية التي يوليها الملك لهذه الانتخابات، وأوضح لهم أن الملك أكد في العديد من المناسبات على ضرورة إجراء الانتخابات في إطار النزاهة والشفافية والوضوح، وبناء على ذلك، أضاف أحمد رضا جديرة، أن الملك أنشأ لجنة مركزية ولجانا محلية عهد إليها بمتابعة العمليات الانتخابية في جميع مراحلها من التسجيل في اللوائح الانتخابية إلى إعلان نتائج الاقتراع، وتجنبا لكل الشكوك، أسند الملك رئاسة هذه اللجان إلى قضاة مستقلين.

لم تتوقف محاولات أحزاب الكتلة الوطنية عند هذا الحد، ففي يوم 24 يونيو 1992، التقى الحسن الثاني بالديوان الملكي مع قادة الأحزاب المشكلة لها، وهم امحمد بوسته الأمين العام لحزب الاستقلال، عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، عبد الله إبراهيم الأمين العام للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، علي يعته الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد بنسعيد أيت إيدر الأمين العام لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، في إطار المشاورات الجارية حول التعديل الدستوري، وفي اليوم الموالي، نظم نفس الزعماء بمسرح محمد الخامس بالرباط، مهرجانا خطابيا اختاروا له شعار: “الديمقراطية طريق وحيد للأجيال الصاعدة لبناء المستقبل”، عبر فيه امحمد بوستة عن أنه “لا يمكن أن تفرض الخيارات على شعبنا، بل يجب أن يقرها بنفسه” بينما أكد بن سعيد أيت إيدر على أن “الكتلة الديمقراطية استمرار لكفاح الشعب وبعث جديد للروح الوطنية”، أما علي يعته، فقد اعتبر بأنه “لا يمكن للمغرب أن يلاحق ركب الحضارة الإنسانية بتزوير إرادة الشعب وبتهميش الجماهير”، فيما ذهب عبد الرحمان اليوسفي إلى القول بأنه “لا خلاص إلا بتغيير حقيقي عن طريق دمقرطة الدولة”.

لكن عاهل البلاد رد عليهم من خلال خطاب عيد الشباب الذي ألقاه يوم 8 يوليوز 1992 بالقول: ((بعد أن أخذنا نحن تلقائيا من الأحزاب السياسية أن تعطينا وجهات نظرها وتغنينا باقتراحاتها فيما يخص تعديل الدستور، فهناك من الأحزاب من أجابتنا كتابة، وهناك من أجابتنا خطابا، ولم تكن استشاراتنا محصورة في حزب دون حزب، أو هيئة دون هيئة)).

كان هذا هو السجال الذي دار خلال سنة 1992، وكان هذا هو التحكيم الملكي في هذا الموضوع، غير أن الفرق بين الأمس واليوم، هو أن النقاش بالأمس كان حول قضايا وطنية وليست مسائل تهم حزبا دون الباقي، فهل يستحق القاسم الانتخابي كل هذا النقاش؟ وهل يلتجئ حزب العدالة والتنمية لطلب تحكيم ملكي في الموضوع ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى