بين السطور

بين السطور | من حصل على شغل بالمغرب لا يستقيل..

بقلم: الطيب العلوي

  إبّان تولي إدريس البصري لحقيبة الداخلية لأزيد من ربع قرن، وبعد أن أصبح أقوى رجل في مغرب الحسن الثاني، مستمدّا قوته من الثقة الكاملة للحاكم الفعلي للبلاد(…)، إلى درجة أن تعددت التسميات حوله، من “يد النظام”، و”عيون الملك”، إلى “حامي النظام الملكي”، وبعد أن طال كل هذا(…)، بدأت تروج بعض الهمسات الإعلامية، وأخرى في دهاليز المغضوب عليهم آنذاك بالبرلمان(…)، مطالبة “السي إدريس” – بكل حشمة ودقة – بتقديم استقالته، من باب الدمقرطة(…)، فكان رده أذكى وأدق وأشد مهارة من الطلب، مُصرّحاً وبكل أريحية: “من أكون أنا كي أستقيل؟ ما خادمكم هذا إلا خادم الأعتاب الشريفة تحت أمر السدّة العالية بالله”.. رد أسكت الجميع، وأبان عن إتقان ابن سطات لتقاليد تواركة المخزنية في زمن قياسي، مما سمح له بتولي مقاليد السلطة، وفي وقت قياسي أيضا(…)، حتى كان لله ما أعطى وله ما أخذ، وتوفي الحسن الثاني، و”طار” البصري، ودُفِنت ذاكرته قبل موته(…).

“دازْت لِيّام”، وتوالت حكومات جطو والفاسي بتحالفات “قلب شقلب”، وبعد أن جاء الربيع العربي، استغل حزب العدالة والتنمية الفصول المتبقية من السنة(…)، وطلع فوق خشبة الحملات الانتخابية، أحيانا في صورة ضحية أحداث 16 ماي، وضحية الأحزاب المستغلة للمؤسسة الملكية ووسائل الدولة، وأحيانا أخرى في صورة الملاك الطاهر المنقذ من الضلال، مستغلا قميصه الديني(…)، مستشهدا على كل “شاذّة وفاذّة” بآيتها المناسبة(…)، إلى درجة أن اختلطت على المهتمين الأمور فيما إذا كان هذا الحزب يمارس السياسة، أم أنه يجول قصد تبليغ دعوة دينية معينة، ونجحت العملية على كل حال! وفاز القنديل بأغلبية مقاعد البرلمان، مما مكنه من ترؤس حكومة ائتلافية.. و”الكمالة فراسكم”.

عشنا وشفنا.. حتى صار القنديل منديلا(…)، وخان التحالف الذي تعاهد بشأنه سنة 2011 مع المغاربة “اللّي توكلو على الله” لإنقاذ هذا البلد بعد فقدانهم الأمل في العرق البشري(…)، وجددوا ثقتهم في الخالق(…)، حتى حقق الحزب الإسلامي المعتدل، الذي أسسه الدكتور الخطيب على سنة الله ورسوله(…)، معجزة التوقيع على التطبيع مع إسرائيل، واستمر العرض بالموافقة على مشروع تقنين الحشيش حتى قبل الاستنجاء من نجاسة “الفعلة” الأولى(…)، مما أيقظ في البلاد موضة الاستقالات، هذه الموضة الجديدة التي لم نكن نسمع بها إلا في فرنسا، حين كنا نتساءل كيف يمكن لمسؤول سامي أن يستقيل، وكانت أعيننا ترى ذلك في النشرات الإخبارية للقنوات الأجنبية المُستقبَلة بطبسيل “البارابول”، بنفس النظرة التي تشاهد بها أفلام الخيال العلمي(…).

فإذا كان الرميد قد نوى الاستقالة في الأمتار الأخيرة من عمر الولاية الحكومية بمبرر صحي فعلا، فشفاه الله، وكيفما كانت “أزمة الأزمي” التي جعلته يرفع يده عن “اللّامبة”، لعدم تحمله لحرارتها التي اشتدت قبل احتراق وشيك.. فيجب ألّا ينسوا بأن العمل البسيط في المغرب أمر نادر، فما بالك بالمناصب العليا، مما يجعل الاستقالة تذكر كل واحد منا بـ”رمي الخبز فالزبل”.. وهذا ربما هو ما نوى السي إدريس البصري أن يلمح به لنا بعبارته “من أكون كي أستقيل”، لأنه غالبا كان قد استوعب فكرة أن من لديه شغل في المغرب لا يستقيل، بالتأكيد بعد استيعابه لتقاليد المخزن(…)، رحمة الله عليه رغم كل شيء(…)، والكمال لله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى