بين السطور | انتصار آخر لمحمد السادس لم يسمع به أحد
2 مارس، 2021
0 2 دقائق
بقلم: الطيب العلوي
قبل أيام، وبعد حوالي سنة من وفاته، كلفتني العائلة بصيانة خزانة المرحوم والدي مصطفى العلوي، صيانة ما يجب صيانته، وترتيب ما يجب ترتيبه، وفرز ما يجب فرزه(…)، وصدقوني، فمهمة كهاته، والمتجلية في تصفيف وصون مكتبة قيدوم الصحافة بالمغرب، ليست بالأمر السهل، هذه المكتبة نفسها التي راكمت لأكثر من 80 ربيعاً من الوثائق، والمئات من الصور الفريدة المخلدة لتاريخ المغرب المعاصر، والألوف المؤلفة من الكتب الساردة لتاريخ المغرب والعالم، من تاريخ الثورة الفرنسية إلى الربيع العربي، مرورا بالحروب العالمية الأولى والثانية، والحروب العربية الإسرائيلية، وأحداث الصخيرات، وما جاورها(…)، والمئات من التسجيلات الصوتية، من استجوابات حصرية مع الزعماء، ولمختلف الوثائق المخلدة لمختلف الأحداث التي وجهت ماضينا الحديث، وتوجه حاضرنا البئيس(…)، وستوجه مستقبلنا القريب(…)، والتي عدد مهم منها لم يسمعها بعد إلا مسجلها والناطق بها، والتي فيها كم هائل من المراجع سنفيد بها قراء ومتتبعي جريدتنا لمدة لن تقل عن العقد المقبل من الزمن.
إلا أنه وقبل الخوض في عملية “التصفيف”، كان لا بد من الفرز(…)، أي عزل وإن صح التعبير “رمي” الوثائق غير الصالحة أو التي باتت دون أهمية تذكر بعد تقادمها، خصوصا وأن والدي رحمه الله، كان معروفا بتوثيق كل شيء(…)، إلا أنه في زمننا هذا، رقمنة الأمور غيرت جانبا هاما حول فكرة الأرشيف، وأول ملف قررت رميه في القمامة، يخص رجلا سانده مصطفى العلوي رحمه الله دون مقابل(…)، ودافع عن أفكاره التي تبناها بأحسن النيات(…)، المساندة في الأفكار هاته تماشت بالموازاة مع صداقة قوية، تقوت مع مرور الزمن حتى أصبحت شبه عائلية، إلا أنني فهمت بعد مرور الوقت، أن هذا الرجل الذي ليس بيني وبينه إلا الخير والإحسان، كان يأتي يوميا لبيت والدي لشرب الشاي والقهوة ولساعات طوال، والذي كنا كل مرة ندرك بقدومه حتى قبل فتح الباب بسماعنا لفصاحته في الضحك من بعيد، تبين لي أنه لم يكن يأتينا فقط من باب المحبة، وإنما أيضا لنشر أفكاره عبر جريدة “الأسبوع”.. أشياء اتضحت لي أكثر لما كان المرحوم مصطفى العلوي على فراش الموت لمدة ثلاثة أشهر، واتصلت بولد العم هذا لأخبره، ولم يزره ولو مرة واحدة، (اتضح لي) أنه وبكل بساطة، “قضى الغرض”، وفهمت أن مصطفى العلوي لم يعد ينفعه في شيء، حتى تأكدت الأمور خلال الجنازة، لما حضر ضاربا مرة أخرى عصفورين بحجر واحد، متبادلا المحادثات مع مختلف الأقطاب السياسية الحاضرة في الجنازة، خائضا في أمور الدنيا ومشاكل السياسة، وكأنه يبحث عن مساند جديد، غير عابئ بدموع عائلة الفقيد التي كانت تسيل مدرارا، ولا بآيات القرآن التي كانت تُتلى جهارا على مسامع المشيعين والمعزين، ولم يفوت فرصة اللقاء مع أحد الأقطاب السياسيين، ليتعاقد معه من أجل ناظر الأيام، بالرغم من أن مكان اللقاء وطبيعته لم يكونا ليسمحا بمثل هكذا حديث في أمور الدنيا والسياسة، ولا مرادف لكل هذا غير التجسيد الواقعي لبراغماتية جديدة لا تعترف إلا بتقاطع المصالح.
المهم، أن “ولد العم” فقد منذ سنة صديقا مخلصا وخدوما جسورا، اسمه مصطفى العلوي، فكان لا بد لي أن أوضح للقراء، أنني فهمت أن هذا الرجل نجح لأزيد من 25 سنة في استغلال طيبوبة قيدوم الصحافة بالمغرب، رغم كفاءته المهنية العالية كما وصفه الملك محمد السادس، أما الآن، فالبقاء للأصلح(…)، ولعبة العروج المستمر على البلاطوهات الفرنسية والتدوينات بالعادي والبادي، لم تنفع في شيء، وبعد أن لم يجد لا في بلد العم سام ولا في مملكة الضباب، الأمان الذي عاد للبحث عنه في نفس المغرب الذي كان يقصفه من قبل، فإن تمزيقي لأرشيفه الكامل من جوار أرشيفات كبار هذا البلد بخزانة قيدوم الصحافة المغربية، ودخول هذا الملف قمامة مكتبة مصطفى العلوي، ما رأيت فيه إلا خروجه من التاريخ، شيء لا يجسد إلا ضربة قاضية أخرى(…)، متجلية في طي نهائي لمشروع “منبوذ” كان هدفه خلق بلبلة تواصلية أخرى فارغة بالبلاد، لا أقل ولا أكثر.