المنبر الحر
لماذا يتم استعمال الفرنسية بدل لغتي الدستور العربية والأمازيغية ؟
مقومات الهوية الوطنية والتعدد اللغوي والثقافي

الإنسية من الكلمات العربية المترجمة من الكلمة الفرنسية: L’HUMANISME، وهذه الكلمة الفرنسية بدورها حديثة العهد باستعمالها في القاموس اللغوي الفرنسي.
والإنسية نظرية نظام كوني يعتبر الإنسان فيه مكرما مفضلا على سائر المخلوقات التي خلقت ووجدت من أجله، وهي علاقة الكون بالإنسان، والإنسية الخالصة ليست يونانية ولا لاتينية ولا فرنسية، أو أوروبية غريبة أو شرقية محدودة بزمان أو مكان، ولكنها كما قال المفكر شارمو، تتفتح في كل الشعوب المثقفة وفي كل الآداب، والإنسان نفسه ليس خاصا بجنس أو إقليم، فكل الأمم لها ملامحها وعلماؤها وشعراؤها ومفكروها، وكلهم مرتفعو القيمة من الوجهة الإنسانية، وفوق الفرد والوطن رابطة إنسانية مع تعدد أشخاصها وأشكالها ومؤثرات أوطانها.
بقلم: الدكتور عبد الرحيم بن سلامة
المغرب كأمة مسلمة، لها في التطور الحضاري ما يعطيها الحق بأن تطالب بإنسيتها قبل الإسلام وبعده، هذه الإنسية التي تجلت في كفاح حكامها وملوكها للحفاظ على الجنس، ونضالها الدائم ضد الذين يحاولون احتلالها، وفي هذا التعشق الكامل للحرية الذي جعل من شعبنا شعب الأمازيغ، وفي حسن قبولها للتعاون مع فينيقية والامتزاج بها، وفي القديس أوغستان والكاهنة ما مهد السبيل لطارق ابن زياد وأمثاله من أبطال المغرب المسلمين.
وقد أعطى المغرب من الأبطال أمثال إدريس الأكبر والأزهر وعبد الله بن ياسين وابن تاشفين وابن تومرت وعبد المومن بن علي والمنصور السعدي والمولى الرشيد والمولى إسماعيل وعبد الكريم الخطابي، ومن الأولياء: عبد السلام بن مشيش، أبو الحسن الشاذلي، زروق، وأبي المحاسن الفاسي، ومن الفلاسفة أمثال: ابن رشد، ابن طفيل، ابن باجة، ابن البناء، السنوسي، والعارف الفاسي، ومن العلماء في كل علم ما لا يعد ولا يحصى من الأدباء والشعراء كسابق البربري وابن العريف والجراري وعياض وابن العربي… فهؤلاء كلهم حافظوا على هويتهم، لأن الهوية في الأصل اعتصام بالذات وإرجاع الإنسان إلى ذاته، حيث أن الشعوب التي تتجرد من هويتها، لا حاضر ولا مستقبل لها، لأن الهوية في معناها الإجمالي، هي مجموعة من الصفات التي تجعلنا شخصية مغربية تثبت ذاتها داخل وخارج أرض الوطن، فالمغرب يعترف بهويته العربية الأمازيغية الإسلامية، التي يجب أن تكون منتشرة في الإعلام والمدارس والمسارح، وفي كل المحافل التي تكرس الهوية المغربية الحقيقية الثقافية والفنية والاجتماعية.
اللغة مقوم من مقومات الإنسية والهوية المغربية
بعد سبع سنوات من الجمود داخل رفوف مجلس النواب، أعلنت لجنة التعليم والثقافة والاتصال بهذا المجلس، عن مناقشة قانون يقضي بحماية اللغة العربية والأمازيغية وتطوير تنمية استعمال هاتين اللغتين في الحقل التعليمي والإداري وأيضا في المجالات العامة ذات الأولوية.
وعلى الرغم من أن مقترح هذا القانون تقدم به فريق حزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة، فإن هذه الأخيرة سحبت مقترح هذا القانون من المناقشة وأعادته إلى رفوف مجلس النواب من جديد، دون معرفة أسباب ذلك، الشيء الذي جعل فرق المعارضة والغيورين على اللغتين معا، يحتجون على الحكومة وعلى تصرفها هذا، الذي يساهم في انتشار اللغة الفرنسية في جميع المجالات من تعليم وإدارة وفي جميع الخدمات العمومية من تجارة وصناعة ووسائل الإعلام وإشهار وغير ذلك من مناحي الحياة العامة والخاصة.
حماية اللغة العربية وتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية
اللغة العربية واللغة الأمازيغية لغتان رسميتان للمملكة بمقتضى الدستور، لكن اللغة الفرنسية هي أكثر اللغات انتشارا، بل إنها تحتل الصدارة في التعليم والإدارة والإعلام، وهذا على حساب اللغة الأصل، العربية والأمازيغية، فجميع الإدارات العمومية والخاصة والمؤسسات التعليمية تستعمل اللغة الفرنسية فتفرض هذه اللغة على المغاربة فرضا في جميع القطاعات، وبالنسبة للغة الأمازيغية، فرغم الجهود التي يبذلها المختصون والباحثون والمدافعون عنها، من أجل إعطائها مكانة تليق بها وترسيمها منذ اعتبارها لغة رسمية ومصادقة جلالة الملك محمد السادس على اختيار حرف “تيفيناغ” لكتابة هذه اللغة منذ شهر فبراير 2003، هذا الحرف الفينيقي الأصل، الذي سجل حضوره منذ ما يزيد عن عقد من الزمن في مجال التعليم والإبداع الأدبي، لكونه يعد من الكتابات الأولى للبشرية التي تعود إلى آلاف السنين، فهذا الحرف، أي “تيفيناغ”، يتميز بطبيعة صوتية خاصة، الأمر الذي يمنحه حظوظا كبيرة ليكون أداة لكتابة اللغة الأمازيغية وتدريسها، وكذلك توظيفه في مجال الإبداع الأدبي أيضا، وباقي مكونات الهوية المغربية.
وقد بذلت جهود كبيرة من أجل تحويل اللهجات البربرية إلى لغة أمازيغية متكاملة بعدما كانت عبارة عن ثلاث لهجات هي: تشلحيت وتمازيغت وتريفيت، فبعد أن كان الشلحي لا يفهم كلام الريفي، وهما معا لا يفهمان كلام الأمازيغي في أغلب الأحيان، أصبح المتحدثون بلهجات تشلحيت وتمازيغت وتريفيت، بفضل اللغة الأمازيغية المكتوبة بحرف “تيفيناغ”، يتواصلون باللغة الأمازيغية التي تحتوي على كلمات عربية عديدة بفضل الاحتكاك اليومي بين اللسان المغربي الأمازيغي والعربي، مما يؤكد أن اللغة العربية والأمازيغية هي لغة الآباء والأجداد.
وفي آخر إحصاء للسكان والذي قامت به المندوبية السامية للتخطيط سنة 2014، تبين أن 26 في المائة من المغاربة ناطقون بالأمازيغية موزعون بين تشلحيت وتمازيغت وتريفيت، وحسب الإحصاء المذكور، يوزع المغاربة الأمازيغ حسب اللهجات التي يتكلمون بها كما يلي:
– 14.1 في المائة ينطقون بلهجة تشلحيت.
– 7.9 في المائة ينطقون بلهجة تمازيغت.
– 4.0 في المائة ينطقون بلهجة تريفيت.
وطرح الإحصاء السؤال التالي: هل هؤلاء الأمازيغ ينطقون بهذه اللهجات وحدها أم يتحدثون لغة مغربية أخرى؟ فكان الجواب، أن منهم من يتحدث باللغة العربية الفصحى أو العامية (الدارجة المغربية)، أو بالحسانية إلى جانب الأمازيغية.
لذلك، فإن هذا التنوع اللغوي المغربي، يعتبر رافدا من روافد الهوية الوطنية المغربية المتميزة بالتنوع والتعدد اللغوي والثقافي.
تتمة المقال تحت الإعلان
تتمة المقال تحت الإعلان




