تحليلات أسبوعية

بين السطور | “اللهم كثر حسادنا”

بقلم: الطيب العلوي

  في يوم من أيام أكتوبر 2014، وخلال افتتاح الدورة الخريفية للسنة التشريعية بالمغرب، استحضر الملك محمد السادس في خطابه تحت قبة البرلمان وأمام حشد من مرتدي الجلابيب البيضاء، الذين ليست لهم كلهم بالضرورة علاقة بالدين(…)، (استحضر) الحديث النبوي القائل: ((اللهم كثّر حسادنا)).. ثلاث كلمات أثارت حينها جدلا واسعا، كثُر فيه اللغط وتشابكت فيه التعاليق وتوزعت وسط المهتمين(…)، لينتهي الأمر برفض معظم العلماء والأئمة والمرشدين الدينيين التعليق والخوض في غمار صحة الحديث من عدمه(…)، إلا أن بعضهم أوضح أن الأمر لا يتعلق بحديث، وإنما بدعاء كان الرسول يسرده في “مواقف محددة”، كما حدث في دعائه للطائف، ومن ثم فإن الأدعية المنسوبة للرسول لا تدخل في نطاق الأحاديث النبوية، وبالتالي، لم تُدوّن في الأمهات الست وكتب الحديث المسندة.

يا لها من “مواقف محددة” نعيشها اليوم بدورنا، ويا لها من وقائع وأحداث تفتك بكل ما هو واقعي(…)، عندما أصبحنا نرى أن معظم الدول المعروفة “زعما” بتغطيتها الصحية المتينة، تنهار يوميا تحت الأرقام المتزايدة بشكل مهول لعدد الإصابات والوفيات بفيروس “كورونا”، مما دفعها للاستمرار في تفعيل أقصى التدابير وأشدها قسوة (…)، من حجر صحي وعزلة وإغلاق كل ما يحمل اسم “عمومي”(…)، ورغم ذلك “والو”، بينما نحن، والحمد لله، نرى أننا بدأنا ننضم للدول القلائل التي أرقام إصاباتها وموتاها تقودنا إلى نوع من الهدنة، ومعظم حالات الشفاء لدينا لم يعرفها من قَصَد المستشفيات والمصحات(…)، بل أولئك المرضى الذين اكتفوا بنصيحة “اجلس في دارك”.

أما إذا اكتفينا بحالة “كوفيد 19” لتحليل الوضعية الحالية للبلاد، لأن الوباء – على كل الحال – أصبح بمثابة الموجه الأساسي إن لم يكن الوحيد للأمور(…)، فقد يكون من البديهي فهم، و”بالزربة”، أن تحسن الوضعية إن لم يكن راجعا لقطاع الصحة الذي أصبح يرافقه دائما ببلادنا نعت “على قد الحال” في كل مناسبة(…)، أو للاستراتيجيات الحكومية المختلفة التي لم نسمع بعدها أي تصفيق(…)، ولا بالتأكيد راجع لقرار إغلاق الحمامات(…)، وإنما لشيء واحد وأكيد، ألا وهو “بركة الله” التي تقف مع هذه الربوع منذ قرون، لأن – وسأكون صريحا معكم ومع نفسي- حصادنا كان دائما أفضل من زرعنا.

وهذا يعود بنا لموضوع الحسد، الشغل الشاغل لعدد هائل من المغاربة(…)، فمن لا يعرفهم حق المعرفة، قد يظن أنهم يخشون الحسد ويقرئون المعوذتين باستمرار على امتلاكهم لمؤهل من المؤهلات، أو اكتسابهم لصفة من الصفات(…)، أو مورد من الموارد التي لا يملكها أحد، بلى.. فالمغربي كان دائما متوسطا في كل شيء، متوسطا في القوة، عاديا في الوسامة ومعتدلا في الغنى، لكن خشيته من الله وحمده له، جعلته، وهنا يُطرَح الاختلاف، يتفوق بقليل على باقي مواطني الدول الأخرى، ويخشى الحسد عليه.. على “بركة الله” التي تحفظه دون أي غطاء.. “وفاش مّا جيتي”(…).

وقد كان هذا، ربما، هو نفس الحسد الذي سبق للملك محمد السادس أن أراد الإشارة إليه قبل سبع سنوات، لأنه يعرف حق المعرفة أن “الحسد على البركة” أشد شراسة وهلاكا من أنواعه الأخرى، ليكمل تطابق ما يجري ويدور حاليا مع الحُسَّاد الذين تَمَتْرَسوا وراء كبريات الصحف مؤخرا، تارة الأمريكية(…)، وتارة أخرى البريطانية، التي استأنفت هجوماتها على المغرب، ملكا ونظاما وأساليبا(…).

فإذا كانت ردود فعل “الحُسّاد” تعود على هذا البلد باستقرار الأوضاع كما يحصل الآن، فاللهم كَثِّر حسادنا، ولا يهم إن تعلق الأمر بحديث، أم بدعاء للنبي في مواقف محددة(…).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى