قضية ليلى المتداولة حاليا في الفضاء الرقمي، أضحت قضية رأي عام، لا لارتباطها بإشكالية جريمة خيانة الأمانة ولا بإشكالية نسب طفلة ازدادت خارج إطار الزواج، ولا بإقدام زوج يحمل صفة محامي على خطبة ليلى دون أن يسأل عن وضعيته العائلية، ولا باصطدام الزوجة، وهي أيضا محامية، بزملاء من خارج الهيئة للدفاع عن ضرة محتملة، ولا بالدفاع الجماعي عن هذا الطرف أو ذاك الذي أثر بشكل ملحوظ على مسار القضية، وإنما تتعلق باختلال موازين المساطر، بدءا بمبدأ حسن تطبيق القانون، خاصة وأن الأمر في هذه الحالة يتعلق بملفين أحدهما جنحي والثاني مدني، وانتهاء بمبدأ حسن سير العدالة الذي يتعارض مع التأخيرات غير المبررة.
ولمحاولة فهم ما جرى، نورد بإيجاز وقائع القضية من البداية: فقد تعرف رجل وهو محامي متزوج، على فتاة في ظروف، حسب تصريحه، مشبوهة، فتقدم لخطبتها وأقيمت المراسيم التي استقبل فيها الخطيب بمفرده وكأنه، كما يقال، “مقطوع من شجرة”.
فإذا كانت الخطبة تقتصر على قراءة الفاتحة وتبادل الهدايا، فإن الحفل الذي أقيم، حسب الصور المتداولة، هو مراسيم زواج وما يحمل من طقوس الإشهار، وهو الركن الذي كان سائدا لإضفاء شرعية النكاح قبل سن شرط إذن القاضي بتوثيق الزواج، دون الحديث عن حالة التعدد التي حددت لها المدونة شروطا تعجيزية في غيابها تظل مراسيم الخطوبة عديمة المعنى، واستغل الخطيبان طقوس الحفل الذي حضره أحباب المخطوبة وسمع الجيران طبوله، وهي الأجواء التي عادة ما يعتبرها العامة وليمة عقد قران، فجعل منها ذريعة لإقامة علاقة غير شرعية دون حاجة خوض غمار التدابير القانونية المحددة في المدونة بكل دقة، خاصة وأن للرجل زوجة حقيقية. دخلت هذه الأخيرة بكل ما أوتيت من قوة الشخصية وحنكة مهنية في معركة قضائية فرضتها خصوصية القضية في مواجهة الضرة المحتملة، ورغم وجود ملفين في المحكمة أحدهما يتعلق بجريمة الخيانة الزوجية والثاني بدعوى النسب، وهو الموضوع الذي جعلت منه الخطيبة ودفاعها حصان طروادة لكسب القضية، فتوارت المتابعة الجنائية على حساب الدعوى المدنية، حيث صدر الحكم بإجراء خبرة جينية قبل صدور الحكم الجنائي، وهو اختلال بيّن في المسطرة، فساد الاعتقاد بأن المحكمة تسير على إيقاع المدافعين عن حق نسب الطفلة نور، على حساب القانون الذي ينص صراحة على ضرورة إيقاف البت في الدعوى المدنية إلى حين الفصل في المتابعة الجنائية، وعلى هذا الأساس يجدر التساؤل عن أسباب الخلل البين في المسطرة.
ألا يعزى الخلل، في كثرة المحامين الذين لم تقتصر نيابتهم عن زميلتهم الضحية، وإنما هبوا للتصدي لزملاء أتوا من خارج الهيئة فأصبحت قاعة الجلسات حلبة لمواجهات مفتوحة بين زملاء تجمعهم قيمة الوفاء لقسم المهنة، فتحول ملف جنحي يعرض منه يوميا على المحكمة العشرات إلى صراع، ودخلت على الخط جمعيات حقوقية داخل المغرب وخارجه منددة بغطرسة الزوجة المحامية التي تدافع بصلابة عن ميثاق الأسرة، وأصبح دفاع ليلى يرمي بسهامه في كل الاتجاهات، وانشغل رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمسلسل لا تضاهيه إلا المسلسلات المكسيكية، وهي مسكنات من شأنها أن تشغلنا عن مشاكلنا الحقيقية؟ يذكرني تلكؤ القضية، بالجلسة الباريسية التي مثل فيها المتهم في أول جلسة، فسأله القاضي عن سبب غياب دفاعه، ثم أصدر القرار التالي: تؤخر القضية لجلسة كذا.. ولن يكون بعدها تأخير. صحيح أن الإعلام الإلكتروني أعطى لبعض القضايا نوعا من البهرجة، خاصة حين يتعلق الأمر بحقوق للفرد والمجتمع، كانت بالأمس القريب حقوقا بعيدة المنال، كقضية الأم العازبة، أو حاجة مولود خارج إطار الزواج إلى نسب، لكن قضية ليلى تتداخل فيها الخطبة والزواج والتعدد والفساد، وهي مفاهيم حددها القانون بكل دقة، وحين تصبح قضايا معروضة على القضاء، وجب حصرها في القانون الذي لا مكان فيه للمزايدة، وإصدار أحكام في آجال معقولة، تفاديا لتداعيات غير محسوبة العواقب.