المنبر الحر

المنبر الحر | الرواية سيدة الأدب العـربي

بقلم: نـهـيـلة حـنان

    تـعـتـبر الـروايـة اليوم وجـها مـن وجـوه الـسحر الأدبـي وتعد من أكـثـر الـمـقـومـات والركـائـز الـتـي يـقـوم عـليها الأدب الـعـربـي، بحـيث يـحتـضن هـذا الـجـنـس الأدبـي الـراقـي الأصـيـل، عدة أقـلام رائـدة عـلى المـستوى الإبـداعـي مـن فـنـون المراوغـة والتـي تتسيدها الـقـصة بتعدد أنـواعهـا، سواء القـصة الـذاتـية التي تدور أحداثـها حول الذات الساردة، أو القصة الـمـستوحاة من أرض الـخـيال، شـريـطـة ألا تـخلو مـن الانزياح والتـشابيه البلـيغة، فالقصة فـي مـكوناتها الدلالـية يـجـب أن تـجـيـبنا عـن أربـعة أسـئلة متى وأين، كيف ولمَ؟

الـروايـة اسـم جـامع لـمعان كثيرة، فـمنها ما يـرتكـز عـلى الخطـاب الفـلسفي والخـطاب السـياسي، العـلمي والديني، فهـي تـطمح إلـى أن تـكون الـجوهر الـجـامع للـمستجدات الثقافية ولا تـقـتصر وتنـفرد بـمـقوماتها عـلى الجنس الأدبي بـشكـل خـاص، لكن هـذا لا يـفـضي بأن يتـم تـجاوز الـبـنية الـدلالية والمـرور عـلى خـصـوصية العـبارات والجـمل اللغـوية والمساس بالـمعنى المـؤسس للحدث.

تتبجل سلطة الروايـة فـي إفـراغـهـا لجـوهرهـا الأدبـي وفـي اخـتلاف مرجعياتها وتعـدد سـياسة أسـاليـبها، وتبني معمارها علـى مراعاة الانحلال والخـروج عـن الـمـألوف ولا تعطي للـمسميات طـباعها الـحـقيقي إذا تعـلق الأمـر بالـخـطاب السـياسـي والقـضايـا الاجتـماعية.

مـن منطـلق الإبداع الأدبي وتموجات الفكـر الذي يـشهـده العـصر المـعاصر والذي جـاء بروزه أمـام الروايـة ألا وهو الشـعر، الذي اعـتـبره البعض مـحركا أسـاسـيا فـي الـمجـال الأدبي على اعتبار أن صـيـغتـه تـرهـف الـسـمع وتـريح لـهج الـنفـوس، لكن كـشكل تـعـبـيري تعـطـى الأولويـة لـلـكـتابات النثـرية الـسـمـيـكة، فـالـروايـة سـيـدة الأدب الـعـربـي بـبلاغـتهـا اللـغـويـة وتـخـمتـها الاصـطلاحية وجـوهرهـا الـحـي وكـيـنونتـها الـدلالـية، فهـي مـملكـة غـنـيـة بـمـخزونها الـثقافـي، فرضت وجـودها وغـرست أوتـادهـا بحـجمها الـكـبير وغنـى كلماتهـا شـكلا ومـضمونـا أمـام الأجنـاس الأخـرى..

تبنـى الـروايـة عـلى السرد الذي يتفتـح فـيه الحدث ويرتـكز عـلـى الحـبكة الفـريدة بجرأتها الـمتنوعة، فـقـد تجاوبـت الـروايـة مـع الـذاكرة التاريخية، وذلك فـي عـهد الثمانينات، حيث أطلـقت العـنان لـبروزهـا وتشكلهـا وتغـلبت عـلى الهـيمنة التـي شهدتـها أمـام الشـعر الذي كـان يـحـكـم حـياة العـصر المـعاصر في القرون الوسطـى، وهذا جاء بفضـل انفتاح الـمجتمع ورقـي نـبوغـه الفكري، وقد يعتبرها البـعض متنفسا روحـيا فـي عالم يضيق بـنا ولا نجد ملاذا يتسع لأحلامنا غير الخيال الذي يبرزه الحدث ويشخـصه وجود الروايـة، فالقارئ يبحث دائما عـن من يسلبـه ذاتـه ويحيله إلى واقع غـير ذاك الذي يـعيشه ويكابده، بينما هناك من يبحث في طيات الـروايـة عـن مـكنونه الخـاص الغير ممنهج، فيجد نفسه بطل تلك الرواية فـي رؤية مماثـلة للـواقـع الذي يـعيشه، أما عندما يتعلق الأمـر بالمنـظور السياسـي، هنا يكـون المـحرك الرئيسي الذي يسلط عليه الضوء السلوك الفوضوي الذي نعيشه في ظل انعدام المـسؤولية.

الـروايـة مـوسوعـة الـفـكـر ومشـروع الـحـضارة الـضخـم الذي يـساهـم فـي اتسـاع مدارك الـفـكر، بحيث أنها سـعت سـعـيـا حثيثا مـن خـلال الغوص فـي عـدة مـواضـيع شـائكـة، فقـد تحـررت تـماما من أي مـنـطلق آخر، تـمـيل إلـى اتـباع أسـلوب غـير مـألـوف وتـصنع الحدث تحت مظلـة التـشويـق وبمـفهوم جـمالـي كـبير تـطرح ذاتـها بحـضور مـكـثف للـخط الـسردي واستخدام مـعظـم تـقـنيات الاستـخـلاص، تؤسس ذاتـهـا على الـفكر الـطليق، لكن هذا لا يفضـي أن تظهـر بصور عـقائديـة انبثاقية وفكر إلحادي يـنكر العـدل الإلهـي والعصـمـة.

لـكـل روائـي أسـلوبه الخـاص، كـل عـلى حسـب مـستنداتـه وقـوته الدلالـية وميـولاته الإبداعية، فهـناك مـن يـشغـل كلماتـه فـي تـرمـيم حـطام النـفـس وطـعنـات الـروح الجـريحـة، بهمـساتـه السحـريـة يـشدو بالقارئ إلى نزف آهـاته لتتقـلب جفونه مـن ألم إلـى أمل، فـي حين هـناك مـن يـجـمع الـعقل بالـروح بكلماته، وذلك عـبر تـقديـمه لأمـثلة حـية لأناس مـا تـزال مـشاعرهـم الـجـريـحـة متـعلقـة بذكرياتهم السحيـقـة ونالوا الـشفـاء ببلـسم كـلمـة الروايـة، لذلك تـعتبر الـروايـة عـالـما مـن عوالم الـحكايات الرمـزية وليسـت وسـيلة طقـوسية لتـسيير الرؤية وردح الذات القارئة.

تعد الكتابة الروائية الملجأ الحاضن لكل من تغلفته الخيبة وأحكمت عليه الحياة بقبضتهـا، إنها ضرورة تلبي لنا متنفسا فـي التفكـير، فأهميتها تـبرز في اتساع الحاجة إليها، يمكننا القول أن الرواية هي عـبارة عن عـرض مسرحي تتنكر فيه بأجمل العبارات وليست مجرد حروف ملقاة عـلى الورق، إنما الكتابة نزيف يصعب إيقافه.

الرواية محملة بحمولات دلالية ضاربة فـي عمق المعنى، فالكاتب يكتب بغـمرة شوق وجمرة متقدة، أحيانا يكتب سيرة أناس يتكبدون القمع، ومن تم فهو يسعى إلى تحريرهم من الاستعباد والظـلـم والتنكيل، فهذا يقف سدا منيعا أمـام رقيهم الفكري، لذا يمكننا أن نعتبر الكاتب الروائي ممثلا لصوت من لا صوت له، وشموخ القارئ من شموخ الكاتب، فهو يظهر لنا الكثير والكثير مما هـو غائب عـن أذهاننا.

الكتابة ككل تشهد نزوحا وتمر بأزمة ربما هـي نتيجة أوهام أنتجها تمركز دفاعي وانغلاق لغوي وتذوقي، فمعظم الناس، باختلاف مستواهم الدراسي، يعيشون انحطاطا فكريا، لأن عوالم الذات البشرية بالغة التعقيد مصابة بمتلازمة الفتور عـن الثقافـة ككل، والانغلاق عـن الذات والاكتفاء بالقناعات النفسية والحمولات المخزنة، وهم في الغالب أناس لا تنعشهم أناقة اللغة، بل كل ما ينعشهم هو اكتساب ما يطلق عليه “الثقافة الشعبية” التي تتصل بالشأن الـمحلي والمحيط الخارجـي.. إنـه واقـع حـال لا يعـقـل أن يتم تـغييره بالقـوة ما دام لم يتدخل الفعل الإنساني، الذي يجب أن تتسيده الإرادة، فالعمل الذي نقوم به ليس محددا فينا، بل إنه مكتسب، والنزوح عن القراءة أصبح متوارثا بين الأجيال، وهذا في حد ذاته معضلة وقمع للذات، لذا يجد الإنسان ذاته أمام واقع يجهله، فالقراءة تجعلنا نتأمل في خبايا النفس وثنايا الروح، وتسمح لنا باستنباط البعد الجمالي للحياة.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى