المنبر الحر

المنبر الحر | لماذا فشلت محاولات زرع العنصرية في المغرب ؟

الأمازيغ سكان شمال إفريقيا

يقول ابن خلدون في “مقدمته”، إن كلمة “البربر” لم يكن القصد منها الهمجية والامتهان العرقي والعنصري كما يذكر بعض المستشرقين، ولكن تسمية البربر ترجع لما في لغتهم من رصانة وعُجمة واختلاط الأصوات غير المفهومة، فتسمية “البربر” استعملت في اللغة الكنعانية، والعبرية، واللاتينية، وغيرها.
و”البربر” يسمون أنفسهم “الأمازيغ”، أي الأحرار النبلاء.

بقلم: د. عبد الرحيم بن سلامة *

    ذكر المؤرخون أن “بني مازيغ” كانوا يقطنون الشام، وأن أحداثا حملتهم على التوجه إلى بلاد المغرب العربي والاستيطان بها، لذلك، فإن عدة مصادر تذكر أن البربر الأمازيغ عرب قدامى، وهم لا يشكلون جنسا قائم الذات، بل يمثلون عناصر مختلفة في شكلها وأنماط معيشتها، وهم أول من سكن إفريقيا الشمالية، يمتازون بطول قامتهم وأطرافهم ولونهم البني الفاتح.

وتذكر بعض المصادر، أن أصول البربر ترجع إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام، وأنهم يمنيون، وقال بعضهم أنهم عرب غسانيون.

فقد ذكر الإمام الطبري في كتابه “تاريخ الأمم والملوك” (الجزء الأول، ص 442)، أن البربر خليط من الكنعان والعماليق انتقلوا من فلسطين إلى أرض المغرب، وذكر المسعودي أن البربر لهم فرع قحطاني استوطن اليمن، وقال مؤرخون آخرون ومن بينهم ابن خلدون، أن البربر من قبيلة حيمر ولد النعمان، الذي أرسل بعض أبنائه إلى المغرب فعمروا به وتناسلوا.

ولما جاؤوا إلى المغرب الأقصى، نزل بعضهم بسوس، وبعضهم بدرعة، ويذكر بعض النسابين، أن القبائل البربرية التي أصلها عربي، يمكن أن نذكر منها: كتامة، وصنهاجة، وزناتة، ومصمودة، ولواتة، وهوارة، وأن قبيلة زناتة تعد أقدم قبيلة بربرية منحدرة من أصل عربي عدناني قحطاني انتقلت جموعها إلى المغرب على مراحل واندمجوا بالسكان الأوائل لهذه القبيلة، بل القبائل سالفة الذكر، ونسجوا معهم سياقا لتكوين مجتمع مغربي متنوع عربي أمازيغي سادته عدة لهجات متنوعة تجمع بين العربية والأمازيغية التي يرجع أصلها إلى اللغات السامية والحامية، وهي على اختلافها تنتمي إلى اللغة الليبية القديمة.

ولما جاء البربر إلى المغرب، أسسوا دولا لهم لم تقم واحدة منها على العصبية، بل قامت كلها على الإخاء والتعاون والمحبة ووحدة الهدف.

ولما قدم المولى إدريس الأول إلى المغرب حاملا دعوة الإسلام، رحب البربر بهذه الدعوة، واعتنقوا الدين الإسلامي وولوا عليهم المولى إدريس، الذي لم يجد صعوبة في نشر العقيدة الإسلامية في مختلف القبائل البربرية، وهكذا تجلت وشائج القربى بين البربر والعرب، فذكر ابن خلدون، أن مواقف كثيرة كانت تعبر عن الوحدة بين البربر والعرب وعدم الفرقة بينهم خلال مختلف المراحل التاريخية، سواء عندما تأسست دولة بقيادة بربرية أو دولة بقيادة ملوك عرب.

فلم تقم أي دولة من الدول المغاربية على الفرقة والعصبية، بل قامت كلها على دعوات دينية محضة، لا أثر فيها للنزعة البربرية أو العربية، ودون التفريق بين الإخوة البربر والعرب، فقد أورد ابن خلدون في “مقدمته” قصيدة لأحد الشعراء العرب تعبر عن التوحد بين العرب والبربر وعدم التفرقة بينهما، وفيها يقول الشاعر:

ألا أيها الساعي لفرقة بيتنا                        توقف هداك الله الأطايب

فأقسم أننا والبرابر إخوة                            نمانا وهم جد كريم المناصب

أبونا أبوهم قيس عيلان في الورى             وفي حومة يشفى غليل المحارب

فنحن وهم ركن منيع وإخوة                        على رغم أعداء لئام المناقب

الاستعمار الفرنسي ومحاولاته للتفريق بين العرب والبربر

    عندما احتلت فرنسا منطقة المغرب العربي، بدءا بالجزائر سنة 1830، كان هدفها الاستعماري دمج الجزائر وإلحاقها بالكيان الفرنسي، فسلكت في سبيل ذلك شتى الطرق، في مقدمتها محاولة التفرقة بين العربوالبربر وجعل لغة المستعمر اللغة السائدة بين مختلف السكان في التعليم والإدارة، وفي الحياة العامة والخاصة، والقضاء على اللغة العربية وإحلال اللغة الفرنسية محلها، ومحاولة جعل البربرية كبديل عن العربية، حيث تكتب بحروف لاتينية، فصارت البربرية تدرس بصفة رسمية سنة 1913 بمعهد الدراسات الشرقية بباريس، وقام أندري باسي، بنشاط حثيث طوال إقامته بالجزائر والمغرب وتونس، لتحقيق الغرض الذي يهدف إليه المستعمر، وهو القضاء على اللغة العربية وجعل الفرنسية واللهجات البربرية بدلها، وهكذا أصبحت اللهجات البربرية من ريفية وسوسية وتشلحيت، تدرس بالمعهد المذكور لعناصر يخدمون الاتجاه الاستعماري.

وفي المغرب، بثانوية أزرو، أدمجت مادة اللغة البربرية في مقررات التعليم إلى جانب اللغة الفرنسية، وحذفت اللغة العربية من البرامج التعليمية،لاسيما في المناطق التي يشكل سكانها الأغلبية البربرية، وفي المناطق التي سكانها عرب، حاولت فرنسا “تدريج”(من الدارجة) و”تلهيج” (اللهجة) اللغة العربية، فأدخلت محاولتها ضمن المناهج الدراسية، وعملت على تلقين التعليم بالدارجة، بل أكثر من هذا، حاولت فرنسا تمسيح (من المسيحية) بعض السكان العرب عن طريق الكثير من المغريات، وخاصة في الأوساط الفقيرة والمحتاجة، حيث أن المبشرين من أتباع الكنائس المختلفة التي أسست جمعيات ومؤسسات خيرية، تقدم خدمات إنسانية في الظاهر وفي العمق هي محاولة القضاء على اللغة العربية، لغة القرآن، وعلى الدين الإسلامي، ونشر الأهداف التي خطط لها المستعمر بين أفراد المجتمع بـ”فرنسته” والقضاء على مقوماته الإسلامية وبث الفرقة بين العرب والبربر وتقسيم سكان المجتمع على أساس ما هو عرقي زاعما أن العرب قوم غرباء على المغرب قدموا من خارج البلاد، وأن البربر لا يمتون إليهم، وأنهم من جنس لا يمت إلى الجنس العربي بصلة، حيث عمل المستعمر على زرع فكرة التمييز بين البربر والعرب ناهجا سياسة عزل البربر عن العرب وبث التفرقة بينهم وحملهم على أن يتخلوا عن الشريعة الإسلامية وإحلال الأعراف والتقاليد البربرية محلها، حيث أصدر المستعمر “الظهير البربري” في 16 مايو 1930، والذي أعطى للجماعات البربرية المحلية صلاحيات وتقاليد عرفية تطبق بينهم بدل أحكام الشريعة الإسلامية، منها إنشاء محاكم عرفية تحكم في جميع القضايا المدنية والتجارية والعقارية والمنقولة، كما تحكم هذه المحاكم – عرفيا – أيضا في كل مادة تتعلق بنظام الأحوال الشخصية ونظام الإرث، أما القضايا الجنائية، فهي من مشمولات المحاكم الفرنسية التي كان يخضع لها جميع المغاربة من بربر وعرب.

فأدرك الشعب المغربي – عرب وبربر – خطورة هذا الظهير، واحتشدوا في مظاهرات واعتصموا بالمساجد مرددين شعارات من بينها: “اللهم يا لطيف نسألك اللطف في ما جرت به المقادر، ولا تفرق بيننا وإخواننا البرابر”.

فبفضل وحدة وتضامن جميع المغاربة من عرب وبربر، فشل المستعمر الفرنسي في خططه ومؤامراته، فلم يكتب للظهير البربري سبيل للتطبيق، بفضل وحدة ونضال العنصر البربري والعربي وجمع كلمة الوطنيين والعلماء ومختلف فئات المجتمع المغربي من صناع وتجار وحرفيين، رجالا ونساء وشبابا.

 

* أستاذ باحث

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

‫2 تعليقات

  1. ونتا من نيتك متيق هادشي!! ؟؟ المغرب أقدم من اليمن بأكثر من ثلاثمائة ألف سنة وأقدم الآثار التي تعود لمليون سنة هي للمغرب وليس عرب الحجاز،واش بصح متيق أن السعودية قدم من المغرب😂😂🤣🤣

  2. نتجاهل ما تقره العلوم la génétique ونعطي الاهمية للخرافات: عن فلان وعن فلان :الامازيغ لهم ما يميزهم وهم سكنو افريقيا الشمالية منذ آلاف السنين ولا توجد على الكرة الارضية ارض “تتكلم” الامازيغية كهذه الهنطقة…اضف الى هذا ان المغربي يسمي المغاربة بالأسماء التي يسمون انفسهم بها اما الذي بقي يسميهم بالبربر فلا اعرف اين سنصنفه ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى