المنبر الحر | عندما يطغى خطاب الإهمال والتهميش على قرى الأطلس المتوسط المنسي
23 يناير، 2021
0 2 دقائق
بقلم: شجيع محمد
خلال كل موسم انتخابي، يتحول خطاب التغيير إلى وسيلة لكسب الرهان، وتصبح عبارات إيجاد الحلول هي القوى الفاعلة فيه، وبدوره يتسم المشهد الانتخابي في الأطلس المتوسط بالقبلية، أي انتخابات قبلية أو أحزاب قبلية (ميس ننتمازيرت).
فكل مشهد انتخابي يسبقه خطاب شعاره “فك العزلة وبناء المدارس والمستوصفات والقناطر وفك العزلة وحفر الآبار والكهربة القروية”.. لكن سرعان ما يتضح مغزاها بعد وصول المترشح إلى مركز القرار، حيث يغير جلده ويتنكر للجميع، لتتبخر الوعود وتتحول إلى سراب، ويتأكد أن القرى والبوادي خزان انتخابي تستغل مآسيها وتستعمل كورقة رابحة خلال كل حملة انتخابية، وأن السكان وجدوا فقط للتصويت، فلا ترى طيلة كل ولاية انتخابية إلا بعض الإصلاحات الترقيعية المخجلة، لتعود القرى والبوادي بشكل عام للعيش في نفس المآسي ونفس الظروف الكارثية.
نفس المشهد، يتكرر وتتطور الوضعية إلى ما هو أكثر تعقيدا وكأن شيئا لم يكن، وتعود الأمور إلى نقطة الصفر، وتدور عجلة التنمية في حلقة مفرغة، لأن الانتخابات لم تأت بأي حل جذري، سوى ضياع الوقت، ولم يبق أي أثر للمخططات التنموية التي كانت عنوانا للبرامج الانتخابية، ولم تعد تفيد في شيء، لتبقى الهشاشة الموسومة بالغش عنوانا بارزا لمعاناة ساكنة الأطلس المتوسط، وتبقى القرى حقلا لتجارب المنتخبين وبعض المسؤولين.
كلما تطرقنا للحديث عن العالم القروي، وخصوصا مناطق الأطلس المتوسط، إلا ويتبادر إلى أذهاننا أنه عنوان لبرامج تنموية معطوبة وفاشلة، ونخص بالذكر القرى التابعة للجماعة الترابية الحمام، بما فيها قرية “الحمام البيرو”، التي كانت في وقت بعيد قرية نموذجية تتميز بمواصفات حضارية ومرافق إدارية وقيادة ومركز قضائي، لتتحول إلى قرية أشباح هاجرها شبابها للبحث عن لقمة العيش في مدن الشمال والجنوب كما هو شأن القرى التابعة للجماعة الترابية لأم الربيع، التي حباها الله بمناظر خلابة كعيون أم الربيع وضاية ويوان، فرغم ما تزخر به القرى سالفة الذكر من ثروات طبيعية وباطنية، لا زالت المسالك الطرقية تئن من الإهمال وتحولت إلى مستنقعات وحفر وبقيت غالبية القرى بدون طرقات، والمساكن بدون كهرباء والظلام الدامس خيم عليها من كل الجوانب، ليتحول السكان إلى رهائن خلال فصل التساقطات المطرية والثلجية وانخفاض درجة الحرارة بشكل قياسي في منازل سقوفها أغطية بلاستيكية وقصديرية وأعمدة خشبية، بعد أن وجد السكان أنفسهم أمام قوانين تعميرية وصفت بالتعجيزية، تتطلب وثائق لا حصر لها وتحتاج لمبالغ مالية مكلفة، فرخصة البناء أصعب وثيقة يمكن الحصول عليها، لكن خلال المواسم الانتخابية، تبقى هذه المعاناة ورقة ضغط لكسب الأصوات: التصويت مقابل السماح بالبناء، والتصويت مقابل الكهرباء، وهلم جرا…
إن القرى التابعة للجماعتين الترابيتين الحمام وأم الربيع، تعيشان مختلف أشكال المعاناة، حيث تحول قاطنوهما إلى ضحايا الوهم من طرف المتعاقبين على تسيير الشأن العام المحلي بهما، معاناة لا يلمسها إلا من زار المنطقة، ليكتشف نوعا آخر من المغرب المنسي رغم موقعها الجغرافي في قلب الأطلس النابض، لتدخل عالم النسيان، لا مدارس في المستوى، ومستوصفين لم يبق فيهما سوى الاسم وقد دخلا في عالم العدمية، وكلما اقتربت من أحد المواطنين هناك إلا ويكون خطاب السخط والغضب وعبارات التذمر حال لسانه، نتيجة حجم المعاناة التي يعيشونها واستنكار عمل المنتخبين الذين أوصلوا الأمور إلى أسوء الأحوال، والكل يحكي مرارة العيش والإهمال الذي يطال المنطقة، رغم القيام بوقفات احتجاجية ومسيرات على الأقدام تنديدا بما آل إليه الوضع.
وتبقى القرى التابعة للجماعتين الترابيتين الحمام وأم الربيع، نموذجا للعالم القروي بالأطلس المتوسط المنسي، حيث أن مظاهر البؤس والتهميش والإقصاء وتوالي الأزمات بدون أي حلول تذكر، عنوانا لتكريس الانتظارية بما قد يأتي أو لا يأتي، فالمغرب الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام شيء والمغرب الذي تنتمي إليه قرى الأطلس المتوسط شيء آخر.