المنبر الحر | التدبير المفوض بين النص القانوني والواقع المزري
16 يناير، 2021
0 3 دقائق
بقلم: جميلة حلبي
أثار موضوع التدبير المفوض في عدد من القطاعات بالمغرب جدلا واسعا وأسال مدادا كثيرا من مختلف المنابر، خلال السنوات الأخيرة، في مختلف المدن، وخاصة الدار البيضاء والرباط وطنجة وتطوان… وبالأخص تدبير قطاع الماء والكهرباء وتطهير السائل، ومعلوم أن هذه القطاعات تدبرها شركات أجنبية كـ”ليديك” بجهة الدار البيضاء، و”ريضال” بجهة الرباط سلا، و”ميكومار” بجهة طنجة تطوان، وغيرها، وقد بات التدبير المفوض نقطة سوداء بالنظر لكثرة احتجاجات المواطنين وفعاليات المجتمع المدني ضد هاته الشركات، على مدى سنوات، ولم تكن الاحتجاجات من فراغ، فالواقع يؤكد بالملموس الفشل الذريع للشركات الموكول لها تدبير هاته القطاعات.
ولمن لا يعرف معنى التدبير المفوض، فهو ((عقد يفوض بموجبه شخص معنوي خاضع للقانون العام يسمى المفوض، تدبير مرفق عام يتولى مسؤوليته، لمدة محددة، إلى شخص معنوي خاضع للقانون العام أو الخاص، يسمـى المفوض إليه، يخول له حق تحصيل أجرة من المرتفقين، أو تحقيق أرباح من التدبير المذكور أو منهما معا، ويمكن أن يتعلق التدبير المفوض كذلك بإنجاز أو تدبير منشأة عمومية أو هما معا تساهم في مزاولة نشاط المرفق العام المفوض))، حسب القانون رقم 54.05 الذي وضعه المشرع المغربي في 14 فبراير 2006، لتنظيم هذه القطاعات بين الجماعات الترابية والشركات الخاصة، والذي يحدد الإطار القانوني للتدبير المفوض، وكذلك المرسوم رقم 362-06-2 الصادر بتاريخ 9 غشت 2006 ويتعلق بتطبيق المادتين 5 و12 من القانون السالف ذكره، وأيضا القانون التنظيمي للجماعات الترابية، وكذلك قانون 00.69 المتعلق بالرقابة المالية للدولة على المؤسسات العمومية والمنظمات المستفيدة من دعم المال العام، وكذا الشركات صاحبة الامتياز، كما أن عقد التدبير المفوض يخضع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات وفق المادة 118 من القانون رقم 99.62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، وكذلك رقابة المجلس الأعلى طبقا للمادة 25 من القانون المنظم له.
إلى هنا تبدو الأمور من الناحية القانونية جيدة وفي مصلحة الجميع، لكن شتان بين النظري وتطبيق النصوص، فالواقع يبرهن على غير ذلك، وخير مثال وغير بعيد دون أن نرجع للسنوات الماضية، الكارثة التي ضربت الدار البيضاء بعد يومين من التساقطات المطرية، لا هي طوفانية ولا موسمية، بل هي أمطار فصل الشتاء وكانت منتظرة، لتعري واقع العاصمة الاقتصادية للمملكة، وتكشف واقع البنية التحتية لمدينة بمساحة تفوق المليون كلم مربع رغم أنه يصعب ضبط المساحة في ظل تناسل وتوالد الأحياء الهامشية، كما عرت واقع تسيير أكبر قطب اقتصادي في القارة وليس المغرب فقط، وأبانت عن استهتار الشركة المفوض لها تدبير قطاع النظافة بمصلحة المواطنين، علما أنها هي المخول لها التكفل بتطهير السائل والمجاري المائية، لأن ما وقع جزء كبير منه يرجع إلى انسداد المجاري والبالوعات، فضلا عن عدم كفاية البنية التحتية لتلائم مدينة في حجم الدار البيضاء.
وما دام المواطن يدفع فواتير مثقلة بالدراهم وضرائب ورسوم عن كل شيء.. فإنه بالمقابل، ينتظر خدمات تجعله يعيش في منأى عن مثل هذه الكوارث، وهنا لا بد من التذكير بأن عقد التدبير المفوض يتضمن التزامات وحقوق على الطرفين الالتزام بها، منها ((حق تقاضي رسوم وإتاوات من المرتفقين، أو من المساهمات التي تدفعها الدولة أو السلطة المفوضة…))، وهذا هو البند الذي تلتزم به الشركة المفوض لها تدبير القطاع التزاما تاما تستنزف من خلاله جيوب المواطنين دون حسيب ولا رقيب، أما التزامات الشركة، فتتجسد في الالتزام بالتنفيذ الشخصي لكل ما تعاقد عليه الطرفان، أي ((يجب أن يتم تنفيذ العقد الإداري بواسطة المتعاقد مع الإدارة (المفوض إليه شخصيا)، وذلك بضرورة أن يبذل المتعاقد الجهد المناسب في التعاون الشخصي مع الإدارة في تنفيذ العقد بنفسه من جهة، وألا يتناول العقد أو جزء منه أو يتعاقد في شأنه من الباطن إلا بموافقة واعتماد الإدارة))، وأيضا ((الالتزام بضمان سير المرفق العام وسلامة الأعمال، بمعنى: أن يلتزم المتعاقد مع الإدارة (المفوض إليه) باحترام القواعد الضابطة لتسييره وفق معايير الجودة، وأن يشمله بالعناية اللازمة، ويتحمل المتعاقد مع الإدارة المسؤولية والمخاطر الملقاة على عاتقه))، وهنا يتجلى دور الجماعات المحلية في مراقبة عمل الشركة التي فوضت لها تدبير مرفق عام يهم جميع المواطنين (ليديك نموذجا، وهي تتحمل الجزء الأكبر في فيضانات الدار البيضاء)، ولم لا التدخل في إصلاح الاختلالات التي تشوب تسييرها وتدبيرها لقطاعات تجني من ورائها أرباحا طائلة، ضاربة مصلحة المواطن بعرض الحائط، ما دام الصمت عنوانا عريضا لما يقع في الدار البيضاء وغيرها من المدن التي تسرح فيها شركات التدبير المفوض وتمرح وواقع الحال لا زال على ما هو عليه..
وتتضمن عقود التفويض، حسب فصول مرقمة ومعنونة، شرط مراجعة عقود التفويض، وبالأخص مدة العقد، وغير ما مرة يجتمع مسؤولو الجماعات المحلية مع القائمين على شركات التفويض، بعد كل موجة احتجاجات من طرف المواطنين، لكن يبقى الرأي والرأي الآخر هو سيد الموقف، ولا شيء تغير منذ سنوات من العمل بالتدبير المفوض غير الكوارث في شتى القطاعات، لتبقى دار لقمان على حالها، في انتظار تحرك المجالس المكفولة بقوة القانون للتدخل والعمل مع الجهات المعنية على مراجعة أو محاسبة الشركات المقصرة في عملها.