المنبر الحر

المنبر الحر | محامية العيون.. وظلم ذوي القربى

بقلم: ذ. عبد الصمد المرابط *

    رغم مباشرتي لقضايا بعضها يكتسي أحيانا طابعا سرياليا كالحكم على مالكة فيلا بعشر سنوات سجنا نافذا، لارتكابها جريمة المشاركة في تزوير عقد بيع لا وجود له في ملف المحكمة، أو رفض قاضي التحقيق للاتحاد الأوروبي صفة المطالب بالحق المدني في جريمة قتل دبلوماسي وزوجته، وهو القرار الذي كاد أن يتسبب في أزمة دبلوماسية بين الرباط وبروكسيل لولا استيعاب المحكمة للوسائل القانونية التي لقيت آنذاك آذانا صاغية في المحاكمة، لكن قضية محامية العيون، قضية استثنائية إن لم تكن سابقة في سجلنا القضائي، لأسباب حقوقية ومهنية وإنسانية.

في نهاية التسعينات من القرن الماضي، أي في عهد ما كان يسمى بالتناوب التوافقي الذي ركب أصحابه آنذاك على شعار تخليق الحياة العامة وما واكبه من تأثير إيجابي على الإعلام والقضاء الذي اعتبرهما ركيزتي النظام الديمقراطي، في البداية كلفتني الزميلة من مدينة العيون بمباشرة مسطرة الطعن في قرار التشطيب عليها من جدول الهيئة الذي أصدره مجلس هيئة المحامين بأكادير، وهي مهمة قد تسبب نوعا من الإحراج، باعتباره قرارا مهنيا ولو تعلق الأمر بقرار صادر عن هيئة لا أنتمي إليها، إلا أنه في هذا النوع من الحالات، لا ينبغي في نظري، لضمير حي، أن يتردد عن القيام بواجبه، خاصة وأنه بعد اطلاعي على مضمونه، اقتنعت بفداحة خطورة القرار، الذي لم يكن يتضمن التشطيب فقط، وإنما يتضمن التنفيذ المعجل في الوقت الذي لم يسبق للزميلة أن كانت في السابق محل إنذار أو توبيخ أو توقيف، بل تم تنفيذ القرار بسرعة البرق، وذلك بتشميع باب مكتبها ومنعها من ممارسة عملها، وهو قرار لا أعتقد أن له نظير.

باشرت المسطرة والتقينا مع نقيب هيئة المحامين بأكادير في غرفة المشورة برئاسة الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، وأدلى كل منا بدلوه فصدر قرار المحكمة يقضي بإيقاف تنفيذ قرار التشطيب ودخلنا بعد ذلك في مسلسل لم يكن متوقعا، وهو عبارة عن سلسلة من محاكمات جنائية نتيجة شكايات كان يتقدم بها الموكلون على مراحل لا أعتقد أنها كانت عفوية، لكونها كانت نتيجة التنفيذ المعجل لقرار التشطيب واعتقال المحامية نتيجة شكايات الموكلين الذين كانوا يفدون إلى المكتب ويجدوه مشمعا، فترسخت في ذهنهم قرينة الإدانة لا قرينة البراءة، وهي الحالة التي يعتبرها العامة لا محالة صك إدانة.

في البداية، كانت المتابعة بالتزوير وانتحال صفة، حيث انتشر الخبر كالنار في الهشيم في الوسط القضائي لمدينة العيون، وتسرب إلى الجمعيات الحقوقية للمدينة، وبعض الصحفيين يتقدمهم الصديق لغظف، المدير الحالي لقناة “العيون”، الذي كان مراسلا لجريدة “العلم” والتي كانت تنقل وقائع الجلسات في الصفحة الأولى، بحيث أضحت القضية حدثا وطنيا خاصة بعد اعتقال المحامية وهي حامل وأجهضت في مخفر الشرطة ونقلت وهي في حالة حرجة إلى مصلحة المستعجلات، فانتقل الجدل القانوني والحقوقي من ردهات المحكمة إلى صفحات الجريدة مبرزة الخروقات، بل انزلاقات النيابة العامة، من بينها إصرار نائب الوكيل العام للملك في إحدى الجلسات، أن تظل المتهمة واقفة طيلة أطوار المحاكمة رغم أنها حامل في شهرها السابع، بعد أن استجابت المحكمة لطلبي الرامي إلى تمتيع الموكلة بالجلوس أثناء المحاكمة أو معارضته القوية لإرادة زميلين من العيون عبرا عن رغبتهما في مؤازرتها.

لقد كانت محاكمة استثنائية، حيث كنت في قلب عاصفة النيابة العامة والموكلين المشتكين الذين كانوا يعدون بالعشرات، بل ونقيب الهيئة الذي كان يحضر شخصيا دون الحديث عن حرب البيانات الصحفية، وكانت قاعة الجلسات لا تتسع للجمهور الذي كان يحضر بكثافة إلى المحكمة، خاصة وأن الأمر يتعلق بقضية حساسة تعالج في منطقة حساسة، وفي نهاية المطاف، رغم زخم المتابعات، ألغت محكمة الاستئناف جل الأحكام الابتدائية، بل قضى المجلس الأعلى بإلغاء ما تبقى من القرارات، بما فيها قرار الهيئة واسترجعت الزميلة حقوقها دون أن تسترجع جنينها، فتخلت عن المهنة وتفرغت لأسرتها والجرح غائر لا يندمل ولسان حالها يردد مع الشاعر :

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة                   على المرء من وقع الحسام المهند

* محامي بهيئة الرباط

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى