المنبر الحر | صفقات سياسية عربية على حساب القضية الفلسطينية
20 ديسمبر، 2020
0 3 دقائق
بقلم: حسوني قدور بن موسى *
وقفت إحدى الأمهات الفلسطينيات على قبر ابنها الشهيد في انتفاضة الأقصى تبكيه بدموع الحزن والألم والأسى، فنظر إليها رجل عجوز من المارة وقال: “لقد أحرزت هذه المرأة السبق على الرجال العرب في هذا الزمان، زمن الإذلال والركوع والاستسلام، إنها ليست مثلهم، بل إنها تعرف تمام المعرفة على من تبكي ومن الذي سبب لها هذا الحزن والجزع الشديد”. إنها موفقة، لأنها تدرك حالها وتدرك على من يجب البكاء، أما باقي الرجال العرب، فقد اعتراهم الهم والغم وقد جلسوا يكابدون الأحزان والهزائم طوال عقود من الزمن، فأصبحت أجسادهم واهنة وإرادتهم ضعيفة، لذا فهم وقعوا في الحيرة، فتحولت حقوقهم إلى تنازلات لعدو اغتصب القدس الشريف أعظم المقدسات الإسلامية وتحول الممكن إلى أمنية وربما إلى مستحيل حتى صارت الأمة العربية لا تعني أن التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني يجر إلى تنازلات أخرى، وأن التنازل والاستسلام يدفع العدو الصهيوني إلى التشدد لتحقيق أطماع أخرى ومزيد من المكاسب، وقد أصيب العقل العربي بالجمود ومني التفكير بالاضمحلال واختلطت الأوراق لمصلحة إسرائيل، والأمر الخطير، هو استغلال القضية الفلسطينية واستعمالها من أجل التفاهم على المصالح لبعض الدول العربية وتصفية حسابات سياسية إقليمية على حساب القضية الفلسطينية، وكل هذه الأعمال الشيطانية هي من مخططات جهاز المخابرات الصهيوني “الموساد” والإدارة الأمريكية، حيث تم عقد اتفاقيات وصفقات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على أساس التصدي للمد الشيعي الإيراني في المنطقة، اعتقادا من السعودية بأن إيران التي هي دولة إسلامية، أخطر من إسرائيل، وتم رصد حوالي 500 مليون دولار لتغطية تكاليف القوات الأمريكية العاملة في السعودية ودول الخليج العربي والذي أسفر عن مقتل آلاف المدنيين الأبرياء في اليمن معظمهم من الأطفال، بحجة منع التوسع الإيراني في منطقة الخليح العربي عن طريق محاربة جماعة الحوثي، لكن مع تواصل موت الأطفال والأمهات وكبار السن في اليمن غير المقاتلين، ينهار منطق الإدارة الأمريكية ويصبح موضوع جدل سياسي جديد، ولنفس الأهداف، مهد الأمريكيون لإبرام صفقة تطبيع الإمارات والبحرين مع إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية وقدموا لهما وعودا بصفقة أسلحة متطورة كانت الإمارات العربية والبحرين في حاجة إليها، لمواجهة أي تدخل إيراني محتمل في المنطقة وهي تشمل مقاتلة “إف 35” وطائرة الحرب الإلكترونية “إي 18 جي غروز”، واستخدمت الإمارات قواتها المسلحة المجهزة جيدا في ليبيا واليمن، لكن أخطر عدو محتمل في نظرها، هو إيران على الجانب الآخر من الخليج، وتشارك كل من إسرائيل والولايات المتحدة المخاوف نفسها مع الإمارات في ما يتعلق بإيران، وكذلك تفعل البحرين، وقد كانت الإمارات والبحرين على مدى سنوات عديدة تخفيان العلاقات مع إسرائيل، والآن تعلنان التطبيع بشكل منفتح، علما بأن إسرائيل تمتلك أقوى مفاعلات نووية تهدد المنطقة العربية بأكملها وأهم قطاعات التكنولوجيا في العالم، وعند انتهاء أزمة “كورونا”، سيحرص الإسرائيليون على اسكتشاف الصحاري والشواطئ ومراكز التسوق في الخليج.. وكل هذا على حساب القضية الفلسطينية.
إن الضغوط والابتزازات الأمريكية ضد الدول العربية قصد الاعتراف بإسرائيل، صيغة يرى الفلسطينيون والدول المؤيدة لهم، أنها تمثل تنازلا عن إحدى ثوابت الأمة العربية والإسلامية، وتفريط في حماية القدس الشريف وخيانة وغدر بالشعب الفلسطيني والشعوب العربية جميعها.
قال الصحفي الأمريكي، توماس فريدمان، في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، عن الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي بأنه زلزال جيوسياسي ضرب منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وقال أن وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له بـ”الاختراق الضخم”، هو وصف مستحق، كما قال أن الاتفاق ليس بحجم زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للقدس عام 1977، ولا مصافحة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لإسحاق رابين عام 1993، لأنه يؤثر على كل القوى الكبيرة في المنطقة، وأن هذا الاتفاق يفيد المعسكر المؤيد لأمريكا ولإنهاء الصراع مع إسرائيل مرة واحدة وللأبد، على حساب المعسكر الراديكالي الموالي لإيران والمعادي لأمريكا، معسكر النضال الإسلامي الدائم ضد إسرائيل الذي سيصبح أكثر عزلة، اعتبرها نتنياهو لحظة تاريخية، وربما لن يفضي اتفاق التطبيع مع الإمارات إلى أي سلام حقيقي على الأرض، لكنه يبقى عاملا مؤثرا على وعي الإسرائيليين أولا بأن السلام ممكن أن يتحقق مقابل السلام وليس بالضرورة مقابل الأرض كما قال نتنياهو نفسه منذ سنوات، مستخفا بالمبادرة العربية في بيروت سنة 2002، وكل هذه المؤامرات والخطط الشيطانية هدفها إجبار السلطة الفلسطينية على الجلوس إلى مائدة المفاوضات مع إسرائيل، لأن اتفاقات التطبيع في نظر إسرائيل هي تخلي الدول العربية عن القضية الفلسطينية، وبالتالي، إقبار هذه القضية إلى الأبد.