بين السطور | كيف اجتنب المغرب “مسيرة سوداء” أخرى هذا الأسبوع
11 ديسمبر، 2020
0 2 دقائق
بقلم: الطيب العلوي
كل المغاربة وبدون استثناء، يعرفون المسيرة الخضراء، أو على الأقل يسمعون بها ولو مرة في السنة(…)، تلك المسيرة التي شارك فيها 350.000 مغربي ومغربية، يوم 6 نونبر 1975، واتجهوا نحو الأراضي الصحراوية، قصد إنهاء الاستعمار الإسباني بها، وبشكل سلمي، والتي تذكرناها مرة أخرى قبل شهر تقريبا(…)، يوم 6 نونبر 2020، حين خلد المغاربة الذكرى 45 لهذا الحدث.
لكن ما لا يعرفه الجميع(…)، هو أنه بعد شهر تقريبا من هذا الحدث، وبالضبط يوم 8 دجنبر 1975، الذي صادف يوم عيد الأضحى في ذلك الوقت، فاجأ الرئيس الجزائري “الهواري بومدين” الجميع، بقرار طرد جميع المغاربة المقيمين بدولة الجزائر “الشقيقة”، قرار تم تطبيقه بشكل فوري في نفس اليوم، ودون سابق إنذار، مما دفع المواطنين المغاربة وأسرهم، ويقدر عددهم بـ 75.000 شخص، لجمع حقائبهم ومغادرة التراب الجزائري في صمت(…) نحو المغرب، على شكل مسيرة من نوع آخر(…) سميت بـ”المسيرة السوداء”.
تفاصيل “المسيرة السوداء” موجعة فعلا، حيث يُحكَى مثلا أن الأسر المغربية التي تأخرت في تلقي الخبر، أو من تباطأت على موعد المغادرة، تم طردها من البيوت ليلا بلباس النوم، كما تعرضت لمعاملات سيئة وصلت حد الاغتصاب والتجريد من الممتلكات والأموال، وكل ما كان بحوزتهم، بعد عقود من العمل الشاق هناك، للخروج من الجزائر بما عليهم من ملابس فقط.. ومن أراد البقاء، وجب عليه الاعتراف بجبهة البوليساريو، وتقديم دعم مالي لها.
لا داعي لـ”ألف تخميمة وتخميمة” لفهم أن ردة فعل بومدين هذه، جاءت على شكل جواب مبني، ولا غير، على جميع أنواع الحسد والانتقام أمام نجاح المسيرة الخضراء، بهدف رسم ذكرى أليمة في ذاكرة المغاربة، كمحاولة منه لحجب هذه الذكرى “السعيدة” التي عاشوها قبل شهر، والمدة الزمنية القصيرة جدا بين المسيرتين، وعدد الضحايا المغاربة المطرودين من الجزائر بسبب نزاع الصحراء، الذي بلغ 350.000، هو – وسبحان الله – نفس العدد الذي حركه المغرب في مسيرته التي سماها الحسن الثاني بالخضراء.. تبقى معطيات قليلة، لكنها واضحة كل الوضوح لفك اللغز(…).
وبما أن التاريخ يعيد نفسه، كما تعلمنا من المغزى الأساسي لكتابات مؤسس جريدتنا،مولاي مصطفى العلوي رحمه الله، والذي سنخلد الأسبوع القادم (يوم فاتح جمادى الأولى) الذكرى الأولى لرحيله، وكمقاربة بين الحاضر والماضي، فالأقدار هذه المرة شاءت أن تكون دون أن تكون: حيث أنه من الجانب المغربي، وبعد مرور 45 سنة عن حدث المسيرة الخضراء، قام المغرب يوم 13 نونبر 2020، بتدخل عسكري سريع، خفيف، وناجح، لطرد ميليشيات البوليساريو من معبر “الكركرات”، رأى فيه المحللون تعزيزا مغربيا لنفس الذكرى، لكن من الجانب الجزائري، فالتاريخ لم يعد نفسه، حيث لم يكن هناك أي رد هذه المرة، في دجنبر 2020، ربما نظرا لغياب رئيس على رأس الجزائر هذه السنة، لتبقى المسيرة الخضراء تُخلّد وتُؤكَّد عند الضرورة(…)، و”المسيرة السوداء” وحيدة ويتيمة تاريخيا، يومها الوحيد كان في الثامن دجنبر 1975، دون تخليد، ولا تأكيد(…)، ليكون التاريخ بذلك، قد أعاد نفسه بالنسبة للجزائريين هذه المرة، فقط فيما يتعلق بغياب وظروف “علاج” الرئيس عبد المجيد تبون، حيث تذكرنا هذه الوضعية إلى حد ما، بغياب صاحب “المسيرة السوداء” بومدين، الذي غاب هو الآخر سنة 1978 في رحلة علاجه بالاتحاد السوفياتي سابقا، لأزيد من شهرين، ضاربا موعدا سريعا مع الموت بعد عودته للبلاد(…).