المنبر الحر | رسالة إلى الصحراويين في مخيمات تندوف
30 نوفمبر، 2020
0 3 دقائق
بقلم: عبد الهادي مزراري
في الوقت الذي تتعصب فيه الآراء بلا تعقل، وتنحاز فيه المواقف بلا ضمير، وتنقاد فيه النفوس بلا تقوى، وتعلن قيادة البوليساريو العودة إلى الحرب، فاعلموا أيها الصحراويون في مخيمات تندوف، أنها دعوة من قيادة مضللة تعلم علم اليقين أنها لن تكسب حربا ولن تهزم جيشا، وأن دعوتها للحرب ليست سوى تنفيذا لأمر تلقته من قادة النظام الجرائري لافتعال أزمة جديدة في أزمة قديمة.
أيها الصحراويون في مخيمات تندوف، نساء ورجالا، أطفالا وشيوخا، شيبا وشبابا، إنهم بقولهم لكم “إن العدو المغربي يحتل أرضكم”، يزرعون في عقولكم وهما بتحرير الصحراء وإنشاء وطن مستقل لكم، وهم في الحقيقة يعلمون أن المغرب لا يحتل أرضا، ويشهد التاريخ أن صحراءكم جزء لا يتجزأ من وطنكم الحقيقي، وأنها أرض اغتصبها الاستعمار الذي ابتليت به بلدان في إفريقيا وآسيا، وخضعت للتقسيم والتجزيء، وأن كل ما فعله المغرب هو استعادة تلك الأرض من المحتل الأجنبي.
أيها الصحراويون، إن بلادكم خضعت لاحتلال متعدد الجنسيات، من طرف إسبانيا الغازية في الشمال والجنوب، ومن فرنسا الطاغية في الوسط، وخضعت طنجة لاستعمار دولي، لذلك، فمسيرة الاستقلال لم تكن سهلة ولا قصيرة المدى، وقد تمازجت فيها دماء كل القبائل والنحل والملل من أقصى شمال المغرب إلى أقصى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه.
أيها الصحراويون في مخيمات تندوف، اسألوا آباءكم من أسود القبائل الصحراوية في جيش التحرير، منهم رحمة الله عليه من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا، لم يعرفوا لأرض الصحراء من سلطان سوى سلطان المغرب، ولم تكن لهم أبدا ولاءات للنظام الجزائري الذي لم يكن موجودا حتى، فأرضكم ووجودكم وسيادتكم في دولتكم سابق عن كل الأنظمة الموجودة في المنطقة.
أيها الصحراويون في مخيمات تندوف، يجب أن تعرفوا سبب وجودكم في الغربة في تلك الخيام بينما أهلكم وإخوانكم وأبناء عمومتكم يوجودن في الديار.
يشهد الله أنكم تعرضتم لأكبر خدعة في التاريخ، وأن منكم من اختطفوا في صدر سبعينيات القرن الماضي وهم أطفال صغار من السمارة وطنطان والعيون وبوجدور، واضطرت أمهاتهم، بغريزة العطف والخوف، للحاق بهم.
كانت مأساتكم غريبة وما تزال تلد المأساة تلو المأساة، لأن الذين خططوا لجمعكم في تندوف هم من شر خلق الله، يستهدفون تنويمكم بأسطورة “الوطن المستقل”، فيما هم يحتلون فكركم ويصادرون عواطفكم ويستبدلون تاريخ أجدادكم بمستقبل غير موجود.
لم يشهد التاريخ أسوأ مجرمين مثل قادة بعض الدول الذين زرعوا الفتن وقسموا الأوطان وشتتوا الأسر وعاثوا في الأرض فسادا، مثل ما فعل القذافي وبومدين بكم في بداية طريق المأساة، وفي لحظة من التاريخ، تراجع القذافي، فيما استمر قادة النظام الجزائري.
أيها الصحراويون، هل تعرفون سبب تمسك النظام الجزائري بوجودكم في مخيمات تندوف؟
إنه لا يفعل ذلك مثلما يدعي أنه يدافع عن تقرير مصير الشعوب، فذلك كذب مكشوف، وإلا لماذا لا يدافع عن تقرير مصير عشرات الحركات الانفصالية الأخرى في العالم؟ ولماذا أيضا يقمع حركة تقرير المصير لشعب القبايل عن الجزائر نفسها؟ ألا توجد قبائل صحراوية في الجزائر بحاجة إلى تقرير المصير؟
إن السبب الرئيسي لتمسك النظام الجزائري باحتجازكم في تندوف، هو من أجل ضمان بقائه، إنه ظل يستعملكم على مر أربعة عقود كقضية رئيسية في سياستيه الداخلية والخارجية.
لقد استخدم القضية الصحراوية كعصب حيوي في الاستحواذ على الشعب الجزائري وإيهامه بأن النظام مشغول بالدفاع عن تقرير مصير الشعب الصحراوي، وهي خدعة مثل قناع “بابا نويل” الذي يضعه المجرمون على وجوههم لإخفاء ملامحهم وتنفيذ جرائمهم.
اسألوهم لماذا قتلوا بوضياف وأشعلوا حربا دموية لعشر سنوات لتركيع الشعب الجزائري؟ إن بوضياف كان يسعى لإنهاء مشكل الصحراء وإنهاء معاناتكم، فقتلوه، لتظل قضيتكم قناعا على وجوههم، أضف إلى ذلك، أيها الصحراويون، أن النظام الجزائري، وعندما نقول النظام فالمقصود نخبة من العسكريين الاستعماريين الذين يسيطرون على الجزائر، قد استخدموا أيضا قضيتكم في السياسة الخارجية ومن خلالها نهبوا ثروات البلاد وبددوها في الرشاوي وفي أوكار الفساد وتحقيق المصالح الخاصة.
ولا يخفى عليكم أيها الصحراويون في مخيمات تندوف، أن عناصر في قيادتكم في جبهة البوليساريو غارقة حتى آذانها في بحر الفساد وتقاسم الملذات مع قادة في النظام الجزائري، وهم يعلمون أنهم لن يؤسسوا دولة، ولن ينتصروا في حرب، وإنما هم في نزهة خلف قطعان الإبل لا يأبهون لأمركم.
ألا يسأل الصحراويون في مخيمات تندوف لماذا يقمعون كل صوت حر بينكم؟ لقد اختطفوا واعتقلوا وأبعدوا كل من تجرأ من داخل المخيمات على التفكير بغير عقليتهم وخارج حساباتهم؟
أيها الصحراويون في مخيمات تندوف، إنكم على متن طائرة مخطوفة، ويستخدمونكم في ما يضمن بقاءهم ويغطي على جرائمهم، هل فكرتم لو أن الشعب الجزائري تمكن في لحظة ما من التخلص من نظامه المستبد، كيف سيكون مصيركم؟
الحق والحق نقول، والله ليس لكم إلا بلدكم ووطنكم من طنجة إلى الكويرة، وبين إخوانكم وذويكم، فلا يغرنكم أحد بالحرب من أجل التحرير، فلا ترسلوا أولادكم حطبا في معارك ستتركون وحدكم في ساحتها، وأنتم ترون بعين اليقين أن الحق هو الذي ينتصر منذ أكثر من أربعة عقود.
تواصلوا إذن مع إخوانكم الذين عادوا إلى وطنكم، واسألوهم، فخير ما ينقلون لكم، ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.