المنبر الحر | في الحاجة إلى جمعية حقوقية في مجال التغطية الصحية والاجتماعية
28 أكتوبر، 2020
0 2 دقائق
بقلم: الحسين بوخرطة
إن انتشار فيروس “كورونا” في جميع مجتمعات العالم كان حدثا زاخرا بالدروس والعبر، فموازاة مع ما أحدثه من تحسيس بالأهمية البالغة للوقاية والنظافة في حياة الإنسان، أبان بالواضح عن حدة الهشاشة في بلدان الجنوب في مجال التغطية الصحية والاجتماعية، وعليه، أعتبر هذا المقال بمثابة أرضية موجزة لفتح النقاش بين منخرطي صناديق التأمين في هذين المجالين الهامين، آملا أن يتحقق ببلادنا نوع من التوازن والاستحقاق في التدبير وتطوير أساليب التواصل والتكفل والعناية اللائقة بالمواطنين.
في هذا الشأن، كان المغرب سباقا في دستوره الجديد إلى جعل أسمى تشريع في البلاد يخصص فقرة هامة شكلت أهم مواد مضمونه: ((تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتضامن التعاضدي المنظم من لدن الدولة)) (المادة 31 من الدستور المغربي لسنة 2011)، كما شكل الخطاب الملكي يوم 30 يوليوز 2004 إنذارا مبكرا استباقيا، وناقوس خطر عم رنينه كل بقاع التراب الوطني: ((… كما يجب تفعيل وتوسيع الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، ومكافحة كل أشكال الفقر والإقصاء، وترسيخ التضامن بين الأجيال باتخاذ التدابير اللازمة والمستعجلة لإنقاذ مستقبل أنظمة التقاعد، قبل فوات الأوان))، وملك البلاد يثابر بكل ما لديه من قوة لضمان العناية الصحية والاجتماعية لكل أفراد المجتمع المغربي، مخصصا أجزاء هامة من الخطابات لهذا المجال، ليبقى من واجب المنخرطين في مختلف المؤسسات المختصة، التعبير عن الحماس والإرادة اللازمين لعقلنة تدبير القطاع في شموليته، لكن المثير في هذا الشأن، هو كون نباهة وإرادة الدولة ووعيها بالتحديات المستقبلية لا توازيها نجاعة في بلورة وتنفيذ السياسات والبرامج في هذا المجال.
إن إجراء انتخاب مندوبي التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، أبرز أن ما تصبو إليه الدولة لا يمكن إنجازه بالقوة والنجاعة المطلوبة إلا من خلال السعي الجماعي لخلق منظمة جمعوية حقوقية على المستوى الوطني في مجال التغطية الصحية والاجتماعية، وتعميم فروعها على مختلف الجماعات الترابية (مكاتب الفروع المحلية والإقليمية والجهوية)، جمعية تلعب دور التحسيس والدفاع عن حقوق المنخرطين في كل الصناديق المحدثة والمبرمجة، وأدوارا تشاركية ورقابية للرفع من نجاعة بلورة وتفعيل البرامج والسياسات في هذا المجال.
فإذا كان القانون قد نص على إحداث خمسة أنظمة للتأمين الإجباري الأساسي، يتم تحديد كل واحد منها بقواعد مشتركة وقواعد خاصة، ونص إضافة إلى ذلك، على حماية وتعزيز الحقوق المكتسبة للساكنة المستفيدة من التغطية الصحية، فإن تعزيز المنع المطلق لكل تمييز إزاء الخاضعين لكل نظام من أنظمة التغطية الصحية الأساسية، يتطلب خلق إطار جديد يضمن توسيع مشاركة كل المعنيين بهذه الخدمات الجوهرية في حياة الشعوب والأمم، فما عرفته الانتخابات السابقة وطنيا لاختيار مندوبي التعاضدية سالفة الذكر، وبإقليم سيدي سليمان كنموذج، يعتبر اليوم مبررا كافيا للتفكير في مؤسسة مدنية جديدة لخلق التوازن ما بين الحقوق والواجبات بالنسبة للمنخرطين، وقد سجل هؤلاء عدة ملاحظات كانت سببا في تقليص نسبة المشاركة الانتخابية، منها: ضعف أو غياب الإشهار لفترة الترشيح، تخصيص مكتب وحيد بمندوبية التشغيل بالإقليم بجماعاته وإداراته، وعدم تحيين لوائح المنخرطين بحيث وجد كل المنتقلين إلى إدارات إقليم سيدي سليمان أنفسهم ضمن لوائح الإقليم الذي انتقلوا منه، ليواجههم رئيس مكتب الاقتراع الوحيد بضرورة الإدلاء بوثيقة رسمية تثبت أنهم يزاولون مهامهم بالإقليم، الشيء الذي دفع العديد منهم إلى عدم المشاركة بسبب عناء التنقل وبعدهم عن المكتب.
وباستحضار رهانات الدولة، وما تعيشه الصناديق الموجودة من مشاكل تقنية وتطبيقية وتدبيرية، يبقى تأسيس جمعية حقوقية تمثل كل القطاعات التعاضدية والفئات المجتمعية المنخرطة في كل الصناديق المعنية أو التي ستنخرط مستقبلا في الصناديق المبرمجة، ذا أهمية بالغة، لأنها الشريك الضروري الذي يجب أن يساهم في تخليق وشفافية التدبير والرفع من مردودية ونجاعة الخدمات المقدمة، وبالتالي، تحويل ثقة المنخرطين في تدبير مؤسساته الساهرة على صحته وحياته وطمأنينته إلى رافعة تمكن الدولة من ربح الوقت والرفع من جودة الخدمات بأقل التكاليف.