خرج الخبير الاقتصادي ودكتور الكيمياء، إدريس الأزمي، بتصنيف جديد للمغاربة، بعد أن اكتشف بدهائه أن هناك فئة من المغاربة وصفهم بالمؤثرين الاجتماعيين المشوشين، لا لسبب سوى لأنهم يطالبون بتخلي النواب البرلمانيين (المتطوعين لخدمة الشعب) عن تقاعدهم وأجورهم السمينة، والاكتفاء بتعويضات مالية تغطي أنشطتهم.
خرجة القيادي في حزب العدالة والتنمية، تؤكد حقيقة ما يخفيه الرجل من أنانية وتسلط وعدم تقبل الرأي الآخر، فلم ينتبه الأزمي، رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، أنه هاجم جزء من الشعب المغربي المفروض أنه يمثله، تحت سقف قبة البرلمان التي أعدت للدفاع عن مصالح الشعب، وليس لسبهم ونعتهم بصفات تجردهم من وطنيتهم، وتجعل منهم انفصاليين وخصوما للوطن، ولم ينتبه إلى أن هؤلاء “المؤثرين الاجتماعيين” مغاربة، يمتلكون نفس الحقوق التي يتمتع بها كل مغربي، ولهم الحق في قبول ورفض كل ما يجري ويدور داخل بلدهم، وأن ما أقدم عليه من سب وتهجم في حقهم، ونعتهم بـ”الشعبوية”، والتحريض على التصدي لهم، هو ضرب لمهام وأهداف البرلمان في التشريع والمراقبة، وتسلط واضح على فئة من الشعب، ومحاولة التضييق والحجر عليها.
مقابل ذلك، كان من الواجب على رئيس مجلس النواب، أن يوقفه ويلزمه حدوده المحصورة في الدفاع عن الشعب وليس الإساءة إليه، فالرجل نسي أو تناسى أنه ممثل للشعب، وعليه أن يوصل مطالب ومعاناة الشعب كل الشعب بأغلبيته وأقليته، لا أن يهاجمه ويستعرض عضلات يديه ولسانه، ويحاول فرض الإقرار في مواضيع ليس عليها إجماع.
كنا نأمل أن يتوقف المسكين عند صراخه داخل قبة البرلمان، واعتبار أن الأمر يتعلق ربما بأعراض مرض الشيخوخة (ألزهايمر)، التي جعلته يهدي بدون وعي كامل، لكنه عاد ليؤكد نفس الهجوم والغباء في رده على منابر إعلامية، بتجريد هؤلاء “المؤثرين الاجتماعيين” من وطنيتهم، حيث قال إنه لا يقصد المواطنين الناخبين الذين ينتقدون العمدة والبرلماني والوزير، بمعنى أن كل من لا يعطيه صوته فهو ليس بمغربي، ولا رأي له في شؤون العباد والبلاد، وأن كل من لا يعجب الأزمي فهو ضمن فئة الذين امتهنوا التبخيس للسياسة والسياسيين والمنتخبين والمجتمع المدني.
“الخبير” الأزمي يكشف لنا بذكائه الخارق (من الخروق)، أن الأجور (وليست التعويضات) التي يتقاضاها المنتخبون بالمجالس المنتخبة والبرلمان، أعدت لتحصينهم ضد الفساد، وكأن البلاد ليست بها قوانين ومحاكم لردع المفسدين، ثم يعود ليوضح أنه لا يعقل أن يعمل المنتخب ولا يتقاضى أجرا نهاية الشهر من أجل عيش أسرته.. فهل الترشح للانتخابات الذي هو في الأصل تطوع من أجل خدمة الشعب، تحول بقدرة قادر إلى الترشح لمباراة توظيف؟ وكيف بلغت جرأة الأزمي إلى ما يشبه التهديد المبطن بأن المنتخب أمام خيارين فقط، عند تأكيده أن للمنتخب طريقة أخرى لجمع المال، بالحديث عن أن التوقيع على ترخيص بإحداث تجزئة سكنية قد يمكن المنتخب من مبلغ مالي يضاهي ما قد يجمعه من تعويضات رسمية طيلة 28 سنة؟ فهل هذا ما توصل إليه الأزمي ورواد حزب “المصباح”؟ أليس من مهامه أن يبحث عن قوانين وتشريعات جديدة تقوي عمل الدولة في محاربة الفساد، وتمنع عمليات الارتشاء التي تتم (تحت الطاولة) في قطاع التعمير؟ ألا يعتبر الإقرار بإمكانية تلقي منتخب لرشاوي ضخمة قصورا في أدائه لمهامه هو وكل البرلمانيين بمختلف تلويناتهم؟
لماذا أقحم الأزمي فئة الموظفين (المدراء، رؤساء الأقسام، العمال، الولاة…) في حديثه عن المنتخب والوزير؟ وما هي أوجه التشابه والتلاقي بين الحديث عن أطر الوظيفة العمومية وبين مهمتي منتخب أو وزير، وهما مهمتان لا علاقة لهما بالوظيفة العمومية لا من حيث مسطرة الولوج ولا من حيث المهام التي تدخل في إطار العمل التطوعي، ولا يمكن بأي حالة من الأحوال أن يدرجا في خانة الموظفين، وتمتيعهما بأجور شهرية وحقوق مدونة الشغل والتقاعد؟
خرجة الأزمي يمكن اعتبارها بمثابة خارطة الطريق لنموذج تنموي أزمي جديد وفريد، جمع بين التهجم والتسلط والأنانية والتضييق على الحريات، أبدع في إخراجها بتبنيه كلمات دخيلة على اللغة العربية وتؤرخ لفترات استعمارية (بيليكي، الديبشخي)، والتي حاول من خلالها إبراز الوجه السوقي في شخصه، والتأكيد أن لديه كذلك دكتوراه في الشغب والإرهاب الفكري والعنف الزنقوي، وأنه مستعد للتكشير عن أنيابه من أجل فرض ما تفرزه غرائزه المكبوتة لفرض سياسيته.