المنبر الحر | الحماية الاجتماعية في حاجة إلى حماية ثقافية
20 أكتوبر، 2020
0 3 دقائق
بقلم: عبد الإله محرير *
لا شك أن إصلاح الحقل الثقافي، في جانبه المتعلق بالسلوكيات، يشكل أهم مفاتيح الأمان في مجال الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، فثقافة الاحترام والانضباط والوقاية والاحتياط من الإصابات بالمرض والحوادث، هي أساس تحصين التغطية الصحية وديمومتها وحمايتها من الغش من جهة، واللامبالاة من جهة أخرى.
فحين نتكلم عن أهمية الثقافة في هذا المجال، فإننا ندرك جيدا أن هناك سلوكات إرادية وأخرى لاإرادية تتسبب في استنزاف ميزانيات التغطية الصحية وصناديق الحماية الاجتماعية، ومنها على الخصوص: الفساد والرشوة، وتزوير الملفات للاستفادة دون حق، أو الاغتناء غير المشروع من الخدمات التي تقدمها منظومات الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، وكذلك الجهل واللامبالاة والشعوذة والدجل…
التدابير الإجرائية ضرورية، لكنها تبقى غير ذات جدوى في غياب تنمية ثقافية ترمي إلى تعزيز حسن السلوك والأخلاق واعتبار الغير، وهذا دور منظومة التربية والتعليم والتكوين، وعقلنة مقرراتها، يصاحبها دور الأسرة في تقوية التوعية لدى الأبناء، لاكتساب وترسيخ سلوكيات وممارسات صحية منذ الصغر في التعاملات اليومية للوقاية من الأمراض والحوادث التي تثقل ميزانيات قطاع الصحة وصناديق الحماية الصحية والاجتماعية.
هناك أمراض سببها العدوى (الباكتيريا، الميكروبات، الطفيليات والفيروسات)، يمكن تجنبها بثقافة الوقاية، وخصوصا الفيروسات التي يعجز الطب، لحد الآن، عن إيجاد مضادات حيوية تقضي عليها، والإصابة بالبعض منها تتطلب علاجا مدى الحياة.
إن إهمال ثقافة الوقاية قد يؤدي إلى العدوى بهذه الأمراض الفتاكة، ما يعني الدخول في علاج قصير أو متوسط أو بعيد المدى، وهو ما يورط هذه الصناديق في صرف ميزانيات العلاج مدى الحياة، الشيء الذي يمكن تجنبه بالوقاية والشروط الاجتماعية المرتبطة بها لا غير.
المستقبل للوقاية، وقد لاحظنا الآن مع جائحة “كورونا”، أن الطب يتجه نحو اللقاح قبل الدواء، ما يعني أن المستقبل للوقاية، وأن المنظومة الصحية الكونية تعطي الأولوية للقاح قبل العلاج، وأن الاعتماد على العلاج دون الاهتمام بالوقاية وثقافة الاحتياط، يعتبر تخلفا، وعدم القدرة على إعداد مواطنين يكتسبون المعرفة اللازمة للتفاعل مع شروط الصحة التي يفرضها “النظام الصحي الجديد” الذي يخصص جزء مهما في بروتوكولاته الصحية لترسيخ ثقافة الوقاية، التي تؤهل المواطن، ليس فقط لتجنب الأمراض، بل كذلك لتأهيله للرفع من مستوى العيش اجتماعيا، فكلما نمت الثقافة وتوسعت، كلما تقلص الجهل والتسيب والفساد والرشوة، خصوصا وأن الوقاية الأولية تعتبر عنصرا من عناصر قياس درجة التطور والرقي للمجتمعات.
فالتنمية الثقافية والبشرية مرتبطة، بشكل قوي، بتحسين شروط العيش (المسكن، المهنة، الغذاء كما ونوعا…)، الفحوصات الدورية، طبيب العائلة، اللقاح، البيئة، النظافة، التشخيص المبكر…
عموما، يشكل الولوج والمشاركة الفعلية في الأنشطة الثقافية مقاربة أساسية في الحماية الاجتماعية، وفي تقليص الفقر، ويساهم بشكل كبير في إنشاء مجتمع حاضن، يجعل مواطنيه يتغلبون على الفقر وعلى الإحساس بالإقصاء، وذلك بفسح المجال لاستثمار الإرادات والطموحات المتعلقة بكل فرد داخل المجتمع.
كما أن الاستثمار في الثقافة الوقائية يحد من عدد الإصابات بالأمراض المعدية، ومن عدد حوادث الشغل ومن الأمراض المهنية، وله فوائد ليس فقط على صحة وإنتاجية الأجراء، بل حتى على صحة وإنتاجية المجتمع برمته، وذلك بخلق ميكانيزمات تصبو إلى تقليص مخاطر الأمراض المعدية وغير المعدية، وبتحسين ظروف العمل وبالمراقبة الطبية والتدخل الاستباقي.
لذلك، يجب الرفع من مستوى الحماية وجعلها من الأولويات، بتنمية حقيقية لثقافة الوقاية في أماكن العمل، وكذلك على مستوى الأسرة، مما يتطلب مشاركة مختلف المتدخلين في قطاعات الصحة والتربية والتعليم والشغل والثقافة والرياضة والترفيه، كما يجب على السلطات العمومية أن توفر الدعم لكل فروع الحماية الاجتماعية وسياساتها، وأن تعطي الأولوية للمقاربات الوقائية المتعلقة بحماية صحة الأجراء، وأن تفرض على المقاولات الاهتمام والمساهمة في تشجيع كل المقاربات الوقائية، وتقوي عوامل ديمومة أنظمة الحماية الاجتماعية.
فثقافة الوقاية يجب أن تكون من أولويات تدبير المؤسسات الإنتاجية، ليس فقط كإجراءات، بل باعتبارها حقا من حقوق الإنسان، لذلك، وجب تحسيس كل المتدخلين، من قطاع عام ومقاولات ومجتمع مدني، لتكريس ثقافة الوقاية، علما أن الاستثمار في ثقافة الوقاية يمنح فوائد أكبر من تكلفة الاستثمار.
إن تعزيز الثقافة الصحية في أماكن العمل، يساعد المقاولات على تحقيق نتائج ملموسة اقتصاديا، لأن الأمراض المعدية وغير المعدية تؤدي إلى خسائر إنتاجية وتؤثر على النمو الاقتصادي، وتتسبب كذلك في تكلفة إضافية للمقاولات، وبصفة عامة، للمجتمع ومؤسساته الإنتاجية.
إن التحولات التي يعيشها العالم أتت بأخطار جديدة، تتطلب مقاربات جديدة، وهذه المقاربات يجب أن تضع الإنسان في عمق اهتماماتها، وذلك بتأهيله ومنحه القدرة على الملاحظة والتمييز والمشاركة في إعدادها، وتحميله جزء من المسؤولية في حماية نفسه بنفسه، على الأقل في الجانب المتعلق بالوقاية، فهناك ثقافات وسلوكات قد تفوت الفرصة على بعض المجتمعات للالتحاق بالركب الإنساني الكوني، لأن التغيير على المستوى الكوني، كالقطار، يمر بدون رجعة ولا يعطي فرصة ثانية لركوبه، من صعد اجتاز ومن تردد تأخر ومن رفض رسب، علما أن صعوده يتطلب شروطا لا يمكن اكتسابها إلا عبر الثقاقة، والثقافة لا تباع ولا تشترى، ولا يمكن الحصول عليها في بضعة أيام.
* عضو المجلس الإداري للوكالة الوطنية للتأمين الصحي