المنبر الحر | انتخابات 2021.. هل تكون بنفس الوجوه ونفس الأعطاب الحزبية؟
11 أكتوبر، 2020
0 3 دقائق
بقلم: د. إدريس الفينة
جل الأحزاب تتهيأ من أجل الظفر بمواقع متقدمة في انتخابات 2021.. إنها الانتخابات التي ستؤهلها لقيادة الحكومة المقبلة وتدبير الجماعات الترابية للمملكة، وهي مواقع مؤثرة في القرار والتنمية، وبتقييم أولي لحصيلة العمل الحكومي للفترتين الأخيرتين، يظهر من خلال الأرقام أنها هزيلة ولا ترقى لانتظارات المغاربة وطموحاتهم وحقهم في التقدم.
نعم، كانت هناك تحديات دولية كبيرة.. لكن هذه التحديات هي نفسها عند كل الدول التي تتقدم، فعدد من الالتزامات التي قدمتها هذه الأحزاب لم يتم الوفاء بها، سواء تلك التي توجد في برامجها الخاصة التي نالت على أساسها ثقة المواطن عبر صناديق الاقتراع، أو تلك التي توجد في البرنامج الحكومي الذي نالت به ثقة البرلمان لقيادة الجهاز التنفيذي.
باختصار، الحصيلة الحكومية يمكن تلخيصها في تراجع معدل النمو الاقتصادي وارتفاع أعداد العاطلين، وخصوصا بين الشباب وحاملي الشهادات وتدهور القدرة الشرائية، كما أن الفوارق الاجتماعية والمجالية زادت حدة ولم يتم بعد بلورة أي استراتيجية فعالة لإصلاح التعليم والصحة، أما هجرة اليد العاملة الشابة للخارج، فوتيرتها ارتفعت وأصبحت صورها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أمرا عاديا وكأنه قدر محتوم. هذا الوضع زاد وسيزيد تفاقما بفعل جائحة “كورونا” خلال السنة الجارية والتي ستليها، ورغم كل هذا، فالحكومة ستقدم لنا حصيلتها وستحاول الدفاع عنها كالعادة.
فلو كانت هناك أحزاب قوية في المعارضة، لألقت بالائتلاف الحكومي الحالي للمعارضة، نظرا لحصيلته الهزيلة وعدم قدرته على بلورة استراتيجيات فعالة لتسريع التنمية، لكن الوضع السريالي الذي تعرفه الأحزاب والذي نتتبعه من خلال الخطابات والأفعال والإشارات المتعددة، يظهر مفارقة غريبة، فهذه الأحزاب المشكلة للأغلبية الحالية وذات الحصيلة الهزيلة، تدعي اليوم أنها ستعود بقوة بعد انتخابات 2021 كما كان عليه الأمر في انتخابات 2016، أما الحزب الذي يقود الأغلبية، فهو شبه متيقن بأنه سيكتسح الانتخابات القادمة إذا لم يقزم مشاركته طوعيا.. فهل يمكن أن يتحقق هذا الأمر فعلا؟ وهل يمكن لأحزاب فشلت وفشلت في تدبيرها للشأن العام أن يمنحها المواطن ثقته من جديد عبر صناديق الاقتراع بشكل واع؟ علما أن هذا المواطن هو من اكتوى على أكثر من مستوى بتدابيرها المجحفة طيلة السنين الأخيرة، من خلال القرارات الغير اجتماعية التي كانت تتخذها ومن خلال ضعف سياساتها التي أفقدت المغرب فرصا كبيرة للنمو بشكل أسرع، فكيف وصلنا إذن لهذه المفارقة الغريبة؟
لا بد هنا من التذكير بطبيعة المشهد الحزبي المغربي الذي يتفرد بعدد من الخصوصيات البنيوية التي تشكل في حد ذاتها عائقا لتطور الأحزاب، هذه الأخيرة غير قادرة على ممارسة الديمقراطية الداخلية، وتستولي عليها قيادات متقادمة وضعيفة، وهي أحزاب في صراع دائم مع نفسها، وتنظيماتها تحولت لقلاع مغلقة رغم الانطباع الذي تحاول الترويج له بأنها منفتحة، كما أنها غير قادرة على الانفتاح الحقيقي على مناخها ولا يمكنها أن تفتح المجال للأطر الشابة التي تحمل أفكارا جديدة وتعرف جيدا مكامن الخلل وسبل التغيير، فالأحزاب أصبح لها نفس الخطاب التقليدي النقدي كيفما كان موقعها، وهذا الوضع يعطي الانطباع بأنها لم تعد تعرف موقعها جيدا، لأن الخطاب المزدوج الذي تمارسه، يربك المواطن ويفقده القدرة على التمييز بينها وبين مرجعياتها.. فهي أحزاب مشاركة ومعارضة للشأن العام في آن واحد، وهو ما يجعل خطابها تضليليا تجاه المواطن بشكل عام، ويعطي الانطباع أن هذا الحزب المشارك في الحكومة لا سلطة له وغير فاعل، وأن السلطة الحقيقية توجد عند جهة معينة، لذلك، فإن هذا الخلط غير مطمئن ولا يمكن أن يطور الممارسة الديمقراطية في بلادنا.
الوضع المرتبك الذي تعيشه الأحزاب يفقدها فعاليتها المؤسساتية وقدرتها على التأثير والتغيير،ف الأحزاب المغربية، ومنذ الاستقلال، حولت مشاركتها في تدبير الشأن العام لفرصة للاغتناء الفردي وتقوية نفوذها داخل مواقع القرار، وهو ما سمح لها بالاستمرار في توسيع قواعد منخرطيها المباشرين من خلال خدمة مصالحهم القريبة، وهو ما لاحظناه طيلة الفترة الأخيرة، حيث تم استغلال كل المسؤوليات المؤسساتية للأحزاب لاغتنام مناصب المسؤولية لفائدة أبناء الأحزاب، وبالتالي، فهذا الأمر يعطي الانطباع أن الأحزاب غير مهتمة بكل ما هو مرتبط بمصالح المواطنين، وهو المجال الذي تتركه عادة للدولة، حتى أصبح اليوم مكرسا في إطار قواعد عرفية غير دستورية تعمل على إنهاك الدولة على المدى البعيد.
المتتبع للشأن السياسي في المغرب، يتساءل اليوم، وبعد تجربتين حكوميتين في ظل دستور 2011، هل أصبح لزاما الاستمرار بنفس القواعد الدستورية، وفي هذه الحالة، نعرف مسبقا النتائج التي سوف نصلها، أم أن هناك ضرورة ملحة للقيام بتعديل دستوري قادر على خلق زخم جديد على نظامنا السياسي وإعطاء نفس جديد على مستوى التنمية؟ فهناك من يعتقد أن مراجعة النموذج التنموي ستشكل المفتاح لهذا الإشكال العميق، وهو اعتقاد غير صائب، لأن النموذج التنموي ما هو إلا تحصيل حاصل لتراكم سنوات من تدبير الشأن العام بإيجابياته وأخطائه، وهو ما يعني أن تغيير الأصل هو المفتاح نحو تنمية أفضل، والأصل هنا هي الأحزاب المريضة التي نريد منها أن تقود مسلسل التنمية.
فدستور 2011 أعطى صلاحيات واسعة للسياسي على حساب الدولة، غير أن السياسي لم يتمكن من ترجمة هذا الهامش الجديد في شكل نتائج اجتماعية واقتصادية تبرر هذا المكسب الجديد، فإعادة الانتخابات على أساس القواعد الدستورية الحالية، لن يعمل إلا على إعادة إنتاج الوضع الحالي، الذي من المحتمل أن يستمر مرة أخرى إلى حدود سنة 2026، وبنفس الحصيلة الرديئة الحالية، ونعرف جيدا ماذا يعني تقليص الهامش الاقتصادي إذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه مع ما لكل ذلك من انعكاسات اجتماعية تظهر معالمها اليوم بوضوح، بل سوف تتكرس أكثر بفعل جائحة “كورونا”.