المنبر الحر | من التعليم عن بعد إلى التعلم الذاتي!!
5 أكتوبر، 2020
0 2 دقائق
بقلم: عثمان محمود
“التعليم عن بعد”.. “التعلم الذاتي”. بهذا تتحدث المذكرات المنظمة للدخول المدرسي، خلال بداية هذا الموسم الاستثنائي، وبذاك تلهج ألسنة الآباء والأمهات، وفي غمرة الحيرة والارتباك، تتخبط الأطر الإدارية، والتربوية، وفي دروب التشتت الذهني يسير التلاميذ والتلميذات وقد وجدوا أنفسهم يمضون نصف الأسبوع في الفصول الدراسية، والنصف الآخر في المنازل، وهم مطالبون خلال ذلك بحسن استثمار الوقت هنا وهناك. ارتباك واضح، بلا ريب، ولا أحد يمكنه أن يتكهن بما ستسفر عنه هذه المواءمة بين التعلم داخل الفصل الدراسي، وخارجه، لأن الأمر طارئ ومستجد، غير أن هذا لا يشفع أبدا للمنظومة التعليمية التقصير في هذا الباب، إذ أنها لم تواكب التقدم الذي عرفه العالم الرقمي كما ينبغي، فقد مضت لحد الآن أزيد من عشرين سنة، حينما ولجت الحواسيب العديد من بوابات المؤسسات التعليمية، وعلى الخصوص منها الثانوية بسلكيها، وأنشئت قاعات خاصة، وعين أساتذة للقيام بمهمة التعليم في هذا الصدد، لكن الأمر لم يتخط محو الأمية الرقمية لدى بعض التلاميذ، وليس كلهم، بل إن الكثير من القاعات ظلت مقفلة، وما بها من أجهزة تعلوها الأتربة ويغطيها الغبار، ويتجاوزها ركب المعلوميات المندفع بقوة إلى الأمام على الدوام، والأخطر من هذا، فإن مادة المعلوميات ظلت في خانة مواد التفتح التي لا يتجاوز مجموع حصصها حصتين يتيمتين ضمن ساعات الأسبوع المدروسة، فضلا عن أنها ليست معممة في كل المستويات الدراسية، وقد حدث هذا سنوات قليلة قبل أن تصير الهواتف الذكية من الأساسيات في حياة العديد من التلاميذ والتلميذات، في غياب أدنى تعليم، وتربية للتعامل معها في الحل والترحال، والاستفادة من خدماتها في الدرس والتحصيل، أما عن المدرسين بصفة عامة، فلم يخضع منهم إلا القليل لدورات تدريبية محتشمة نادرة في كيفية التعامل مع الحاسوب، واستغلاله في عملية التدريس، فكان نتيجة كل ذلك، أن استمرت السبورة والطبشورة على رأس الوسائل التعليمية داخل فصول دراسية تشكو الاكتظاظ الذي تمده الأعوام المترادفة بالمزيد والمزيد، وأما عن المناهج والمقررات، فقد وضعت لتبقى، وتستمر، عندما وجد الكتاب المدرسي نفسه خاضعا لمتطلبات السوق، فكان نتيجة هذا، أن حضر الكم وغاب الكيف، وانتفى التجديد الذي ينبغي أن يواكب المعلومات المقدمة للأبناء والبنات، الذين يعدون بذرة اليوم وثمرة الغد. ولم يكن غريبا والحال هذه، أن تطل الساعات الإضافية، السيئة الذكر، برأسها من أجل دعم نسبة عالية من التلاميذ على مدار العام الدراسي، وفي أغلب المواد، في اتكالية واضحة على أساتذة احترفوا إعداد أولئك المتمدرسين على مجابهة الامتحانات للحصول على معدلات مريحة، لا أقل ولا أكثر، وهو ما ضرب التعلم الذاتي، حيث بدا التلميذ عاجزا عن البحث عن المعلومة في مصادرها المتعددة، وعلى رأسها بالطبع، بحار العالم الرقمي اللامحدودة!!
وعليه، فإن قطاع التعليم قطاع حساس للغاية، وإصلاحه وتطويره لا يقبل الاستعجال نهجا، ولا يرضى بالترقيع حلا، فلتوضع الأمور في نصابها، ولتحدد الأهداف العامة تحديدا دقيقا بعيدا عن الضبابية، والشساعة التي لا حد لها، ولترسم الخطط الناجعة، المستفيدة من خدمات التقدم التكنولوجي، قصد تنشئة أبنائنا وبناتنا على حب المعرفة، والسعي إلى الحصول عليها في دأب متواصل، وحرص شديد، وبأيسر الطرق، من مكتوبة إلى منطوقة، إلى مصورة، ويكون خلالها المدرس مرشدا، وموجها، لا أقل ولا أكثر، والمتمدرس هو المحور الذي ترتكز عليه العملية التعليمية برمتها، حتى تتم تربيته على الاعتماد على جهده الخاص، من أجل بلوغ درجة الاستيعاب الأشمل، والإبداع الأمثل، والابتكار الأروع.