لا يختلف اثنان كون الانتخابات الرئاسية الأمريكية تشغل بال أنظمة معظم الدول، سواء منها المنافسة لها اقتصاديا وسياسيا، أو المعادية لها، وتفرز أحلاما مرعبة وكوابيس للعديد من زعماء الدول المستضعفة والمستعبدة، هؤلاء الزعماء الخاضعين لأوامر وتعليمات بلاد العم سام، البلد الذي تم الاعتراف به بتاريخ 3 شتنبر 1783، بعد أن كان قبلها خاضعا لبريطانيا العظمى، لا يؤمن نظامه بالتاريخ ولا بالجغرافيا، ولا يستحضر في إفرازاته السياسية المبادئ والأخلاق والحقوق الإنسانية المتغنى بها دوليا بقدر ما يؤمن بالقوة والجبروت واستغلال النفوذ وإعادة فتح المزادات من أجل التغيير الدائم لمعالم وحدود الدول واستنزاف ثرواتها المادية والبشرية.
الكل مشدود إلى ما يجري ويدور داخل حلبة الصراع الأمريكي من تنافس شرس يجمع بين الشرف والقذارة، بين الجمهوري دونالد ترامب الذي حول الولايات المتحدة الأمريكية إلى مجرد شركة تسعى إلى تحقيق الأرباح والمكاسب بعد أن نصب نفسه الرئيس المدير العام لها، وبين الديمقراطي المخضرم جو بايدن الذي ترعرع في كنف الرئيس السابق باراك أوباما، حيث كان نائبه طيلة فترة رئاسته (2009/2017)، كما مارس السياسة منذ سبعينيات القرن الماضي، والذي لن يخرج عن سكة الأهداف والمرامي الأمريكية المتوافق عليها بين الديمقراطيين والجمهوريين بخصوص السياسات الخارجية المبنية على توسيع دائرة النفوذ الأمريكي، وضمان استمرار الهيمنة والاستغلال والابتزاز لملء خزائن الدولة العظمى وتأمين احتياطها، فليس في الزعماء (القنافذ) الأمريكيين أملس.
انتخابات رئاسية أريد لها أن تجرى في موعدها بتاريخ 3 نونبر 2020، في أوج أكبر جائحة ضربت وتضرب البلد والعالم، وباء “كوفيد 19” والتي أصابت أزيد من سبعة ملايين أمريكي وأنهت حياة أزيد من 200 ألف منهم، ولازال البلد ينزف، وعداد المصابين والوفيات يلهث وراء الأرقام المهولة.
كل دول العالم صوبت مناظيرها صوب السباق الأمريكي نحو الرئاسة، بل إنها علقت (إن لم نقل شلت)، كل برامجها ومخططاتها المستقبلية، في انتظار نهاية السباق، لمعرفة هوية الزعيم المرتقب، ومن تم إعادة ترتيب أوراقها.
لقد سبق أن أشرت في كتابي “رسائل سياسية” الصادر شهر نونبر 2017، أن ترامب ليس كسابقيه من الرؤساء الأمريكيين ممن يراوغون في إظهار عدوانيتهم وكراهيتهم، بل إنه صريح في تسويقه لعنف وعداء مبالغ فيهما، فكما وعد وفى. وعد الأمريكيين بأنه سيتحول إلى مصاص لثروات العرب من أجل الرفع من حياة الرفاهية والأمن والاستقرار داخل بلده، بعدما شهر لسانه (السليط) في وجه تلك الدول، وسوق بخصوصها كلاما قبيحا قبل وأثناء حملته الانتخابية، وكان وفيا لها بعد فوزه بالرئاسة، وقرر بأن تكون ولايته جحيما على تلك الدول، وأن “الداعشيين” و”القاعديين” لربما كانوا أرحم على شعوبهم مما قد يختزنه لهم قطار “الترام..ب” القادم، والذي قد يأتي بلقاح يفرز كائنات “الزومبي” في حالة الظفر بولاية ثانية.
ترامب ظل يحلم منذ عدة عقود بقيادة بلده، وظل يبرز بجلاء انتقاده للسياسة الأمريكية المتبعة خارجيا، وتكفي الإشارة إلى ما قاله سنة 1988 في مقابلة تلفزيونية، حين هاجم دولة الكويت، وتساءل حينها كيف أن بلده يحمي الكويت وأمراءها بدون مقابل، وكيف أن فقراءها تحولوا إلى أغنياء، وأكد أن من حق بلده الحصول على ربع الناتج المحلي للكويت، كما انتقد هيمنة اليابانيين على الصناعة، وتمكنهم من تسويق سياراتهم بأمريكا وعجز الأمريكيين على تسويق سياراتهم باليابان، وأكد في ذات المقابلة، أنه سيفوز في الانتخابات الرئاسية إن هو بادر إلى الترشيح إليها، وطبعا ختم حواره بالتأكيد على أنه سيحصل على المال لبلده من تلك الدول، التي كان بلده يؤمن لها الأمن والاستقرار لسنوات، وطبعا فاز بثقة الشعب الأمريكي، وهو ما يعطيه لقب “الفتوة” بامتياز، باعتبار أن الفتوة تعني رجل عصابة أو مجرم قوي البنية كان يفرض سيطرته وحمايته على حي أو منطقة، يأخذ من أصحابها مالا نظير حمايتهم.
الكل يعلم أن إدارة الولايات المتحدة الأمريكية تسير بمنطق المال والأعمال، وأن حزبيها (الديمقراطي والجمهوري)، ليسا سوى جهازين منفذين لإدارة الدولار، ولا دخل للشعب الأمريكي بما يجري ويدور فوق ترابه.
فالأكيد، أنه لا سلطة لترامب ولا لبايدن في تغيير سياسة بلدهما الخارجية، وأن الإدارة الأمريكية هي من ستفرز من سيكون رجل المرحلة القادمة، مرحلة ترامب كانت تقتضي الانتقال من مرحلة التعاطف والتسامح والتفاهم والتفاوض، إلى مرحلة التهديد والوعيد وتوسيع دائرة الاستفادة في ظل الوضع المتردي بالشرق الأوسط والخليج العربي، وغيره من المناطق التي تعيش جحيم التفرقة والحروب.
العم سام يعاني من مشاكل مالية وسخط بعض أبنائه وبناته الذين يرون أن الاستفادة الأمريكية ليست بحجم الأمن والأمان اللذين قدمهما ويقدمهما لدول العالم، عندهم هناك بطون المواطنين ممتلئة.. لكن بطون الشركات الأمريكية أصبحت جد شرهة، وأدمغتها فاقت الإدارة الأمريكية وباتت تفرض قوانينها الخاصة التي لا تعطي أهمية إلا للدولار، ولهف ولهث الإدارة الأمريكية على ثروات الشعوب لن يتوقف، وكلما حصلت على بقرة حلوب، ستبادر من أجل تربية قطيع ثان من الأبقار، لتزداد كمية الحليب واللحوم لديها… وهكذا، فهل استنفذ الجمهوري ترامب كل طاقاته ومخططاته، وحان وقت المخاطرة بمنح الرئاسة للديمقراطي بايدن، أم أن رائد حلبات المصارعة الأمريكية لازال في كامل لياقته البدنية والفكرية، وفي أوج عطائه وسخائه للأمريكيين؟