المنبر الحر

المنبر الحر | ما رأي الحقوقيين الذين يطالبون بإلغاء عقوبة الإعدام في هذه الجريمة؟

على هامش مقتل الطفل عدنان

بقلم: د. عبد الرحيم بن سلامة *

    تعودت الجمعيات الحقوقية المنضوية تحت لواء “الائتلاف المغربي لمناهضة عقوبة الإعدام”، تنظيم وقفات في 10 أكتوبر من كل سنة: اليوم العالمي للمطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، لأنها في نظرهم عقوبة بشعة غير إنسانية، تقضي على الحق في الحياة والحق في العيش، وكونها تعرض مرتكب الفعل الجرمي للتعذيب والمس بالسلامة الجسدية.

وإذ لم تبق إلا أيام قليلة على حلول يوم 10 أكتوبر، الذكرى التي يرفع فيها هؤلاء الحقوقيون أصواتهم مرة أخرى للمطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، علينا أن نسائل هؤلاء الحقوقيين عن رأيهم في الجريمة الشنعاء التي هزت المغرب قاطبة والتي استدرج فيها وحش آدمي وشركاؤه طفلا بريئا في سن الزهور (11 سنة) فهتك عرضه ثم قتله عمدا ودفن جثته بحفرة في محيط سكنه.. ألا يستحق هذا المجرم الوحش ومن معه الحكم عليهم بعقوبة الإعدام، ثم تنفيذ هذه العقوبة في حقه وعليهم، فهذه العقوبة ضرورية لحماية سلامة المجتمع من عبث المجرمين أمثال قاتل الطفل البريء عدنان، الذي أدمى قلوب ساكنة مدينة طنجة وغيرها من المدن المغربية، لأن الإعدام هو السلاح الوحيد الذي يرهب به المجتمع المجرمين الأشرار من قتلة ومنتهكي الأعراض وخاطفي الأطفال الأبرياء وسفاكي الدماء، فقديما قال الفيلسوف كانط: “انزعوا الحياة من الذي نزع حياة الآخرين”.

فالآراء التي يدافع عنها المناهضون للإعدام من كون هذه العقوبة قاسية وغير إنسانية وغير منطقية ومهينة للفرد، تلغي إنسانية الإنسان وقدسيته في الحياة، فهي في نظر هؤلاء، عقوبة خطيرة وظالمة وغير صالحة لعصرنا هذا على وجه الخصوص، ولا تتلاءم مع تطور الحياة البشرية وتطور المفاهيم التي يعطيها الإنسان لحقوق البشر، فالقتل باسم القانون لم يعد ينفع في القضاء على الجريمة أو التقليل من حدتها، فهي عقوبة تهدر أقدس حق في الحياة بإزهاق روح بشرية، في حين أن الذي يمسك الأرواح هو الخالق سبحانه وتعالى وليس البشر.

وإن مرتكب الفعل الجرمي كالقتل، إذا حكم عليه بعقوبة الإعدام وقامت الدولة بتنفيذ هذه العقوبة عليه، فإنها تكون قد ارتكبت هي الأخرى جريمة قتل نفس بشرية، لذلك، فالمطلوب هو إلغاء هذه الجريمة في جميع القوانين عالميا، لكن فقهاء الشريعة الإسلامية يرفضون إلغاء عقوبة الإعدام أو استبدال هذه العقوبة بعقوبات أخرى كالسجن مدى الحياة، فهم يتمسكون بما جاء في القرآن الكريم من آيات عديدة مثل قوله تعالى: ((ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون))، فقد قال شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي رحمه الله: “إن حكم الإعدام ترجمة شرعية لمبدأ القصاص الذي فعّله الإسلام صيانة وحماية للنفس البشرية التي كرمها الله تعالى”، وأضاف شيخ الأزهر قائلا: “إنه لا يتفق مع مبدأ القصاص الشرعي أن يترك دم المسلم مباحا لأي شخص يريد أن يتعدى على حياته ظلما وعدوانا ويسلبه إياها”، ويردف شيخ الأزهر: “إن هناك حقائق ثابتة حول هذا الأمر، منها أن شريعة الإسلام كانت أول من أكد مبدأ حقوق الإنسان وقررت أن من يعتدي على إنسان واحد فكأنه اعتدى على الإنسانية بأكملها”، كما جاء في الآية الكريمة: ((.. من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)).

وأشار شيخ الأزهر سيد طنطاوي رحمه الله، إلى أن عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية لا تطبق إلا على من قتل غيره ظلما وعدوانا، وأن القاتل تعمد الإصرار على القتل، فلماذا نطالب بإلغاء عقوبة الإعدام وعدد كبير من النفوس البشرية سالت دماؤها على يد مجرمين وحوش قتلة، من بينهم النفس الزكية للطفل البريء المشمول برحمته عدنان بوشوف، الذي ستنصف العدالة ذويه بالحكم على المجرم وشركائه والذي استدرجه وهتك عرضه ثم قتله ودفن جثته بحفرة قريبة من سكناه، وكل ذلك مع الترصد والإصرار، فمثل هذه الجريمة النكراء يعاقب عليها القانون الجنائي في فصله 399 بالإعدام.

عقوبة الإعدام بين التنفيذ والتجميد

 

رغم أن محاكم بلادنا تنطق في بعض أحكامها بعقوبة الإعدام، غير أن أي حكم من هذه الأحكام لم يتم تنفيذه، منذ سنة 1993، ومع ذلك، فإن الحقوقيين المنضوين تحت لواء الائتلاف المغربي لمناهضة عقوبة الإعدام، مصرون على مطالبة الحكومة المغربية بإلغاء هذه العقوبة والانضمام إلى الاتفاقية الدولية المتعلقة بهذا الموضوع، لا سيما وأن هيئة “الإنصاف والمصالحة” أوصت في تقريرها الختامي بإلغاء عقوبة الإعدام، غير أن المحاكم الوطنية مازالت تصدر أحكاما بالإعدام لم ينفذ أي حكم منها منذ أزيد من ربع قرن، رغم بشاعة الجرائم التي ارتكبها المجرمون ومن أجلها حكموا بالإعدام.

فبالرغم مما ذكر أعلاه، فإن الحقوقيين أنصار إلغاء عقوبة الإعدام في المغرب لا زالوا مصرين على المطالبة بإلغاء هذه العقوبة العظمى في نظرهم، عاجلا أو آجلا، لأنهم يحتجون بأن ثلثي دول العالم ألغت هذه العقوبة من قوانينها الجنائية الوطنية (102 دولة من أصل 193)، في حين الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي أنها بلد الحريات وحقوق الإنسان، فإن عددا كبيرا من الولايات فيها تحكم محاكمها بعقوبة الإعدام وتعمل على تنفيذ هذه الأحكام بمختلف الطرق والوسائل كتنفيذ هذه العقوبة رميا بالرصاص أو شنقا حتى الموت أو خنقا أو بالمقصلة أو بالغاز أو بحقن السم أو بالكرسي الكهربائي، أما في المغرب، فإن عقوبة الإعدام وتنفيذه، يكون رميا بالرصاص حسب ما هو موضح في قانون المسطرة الجنائية.

* أستاذ باحث

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى