المنبر الحر

المنبر الحر | أهي لغة القرب أم لغة البعد؟

بقلم: عثمان محمود

    بات من المألوف أن تتربع باطمئنان، داخل اللوحات الدعائية، والإشهارية، عبارات مكتوبة باللغة العامية فيما يطلق عليه البعض “لغة القرب”، بدعوى أن هذه هي اللغة التي يتداولها ذاك الذي تتوجه إليه، وتخاطبه هاتيك اللوحات، ومهما يساق من تبريرات عن أهمية توظيف تلك اللغة، وضرورة حضورها في مجال الدعاية والإشهار، فإنها لا ترقى إلى درجة الإقناع.

بالله عليكم، أليس الذي يستطيع قراءة عبارة مكتوبة باللغة العامية قادرا، ولا شك، على قراءة عبارة باللغة الفصحى، بل قد لا يتلعثم مطلقا، لأن العبارة الفصيحة تكون في الغالب الأعم، أكثر ميلا إلى الاختصار؟ فعبارة: “نكتشف بلادنا” ليست هي “نكتشفو بلادنا”، وعبارة “نبقى حذرين” ليست هي عبارة “نبقاو على بال” من حيث الدقة والسهولة في الأداء. مسألة أخرى، هل الفئات التي لا تحسن القراءة والكتابة في بلدنا الغالي في ازدياد، أم في تراجع؟ أعتقد أن الذين يحسنون القراءة والكتابة، يمثلون نسبة عالية جدا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعبارات قصيرة، كتلك التي تسعى إلى الدعاية والإشهار، فالطفل الذي أنهى المرحلة النهائية من التعليم الأولي، قد لا يجد صعوبة في جمع أحرفها، إن لم نقل قراءتها بسرعة، أليس في هذه اللغة المكتوبة بهذا الشكل تشويش مقلق للمتمدرسين من الأبناء والبنات، فهي، بلا ريب، قادرة على التسلل إلى كتاباتهم، فتجعل أسلوبهم مسخا، أبعد ما يكون عن لغة التعلم التي ينبغي أن تراعى فيها القواعد الإملائية، والنحوية، والصرفية، إذ لا لغة راقية تتغاضى عن تلك القواعد مطلقا، وللأسف البالغ، نجد هناك من يعتبرها مجرد إثقال مضن للمناهج الدراسية، وعلى الخصوص في المراحل الابتدائية، حتى أن بعض المحللين في أحد البرامج التحليلية بإحدى الإذاعات الخاصة، طالب بالتخلي عن القواعد اللغوية بدعوى أن الرفع والنصب والجر يتم عن طريق الأذن، وبفعل السليقة؟! فهل الذي يحسن قيادة السيارة، يا ناس، في غنى تام عن الإلمام بقانون السير وتطبيقه؟

لقد آن الأوان لوضع حد لهذه اللغة المكتوبة بالعامية المصاحبة للوحات الدعائية، والإشهارية، فهي تسيء إلى المستوى التعليمي لفئة عريضة من المغاربة، كما أنها تضعف القاموس اللغوي لدى المتلقين، إذ العديد، والعديد من المفردات، كان يمكن أن تتضمنها تلك الوصلات، واللوحات، كتغذية دائمة للرصيد اللغوي، ولنا الدرس البليغ في العبارات المكتوبة باللغة الفرنسية، أو الإنجليزية، قصد الدعاية، والإشهار، حيث الدقة والاختصار، والاحترام التام للقواعد اللغوية، في الوقت الذي نجد فيه، على سبيل المثال لا الحصر، همزة القطع تعوض همزة الوصل في الكثير من الأسماء داخل العبارات المكتوبة باللغة الفصيحة للأسف الشديد! فكيف للغة تعاني مثل هذا الحيف أن يقبل عليها المتعلم باهتمام، قصد امتلاكها، واإتقانها، وتوظيفها أثناء الإبحار في عوالم المعرفة، أو استعمالها الاستعمال اللائق في التواصل الراقي؟

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى