المنبر الحر

المنبر الحر | ما بعد “كورونا”.. تذكروا هؤلاء في الشدة والرخاء

بقلم: عبد الله النملي

    أبان المغاربة عن حس وطني وإنساني كبير، حيث أسهموا في صناعة مبادرات من شأنها مساندة الجهات المعنية في تطبيق الإجراءات الاحترازية والتوعية للوقاية من “كورونا”، وتعددت صور التكافل الاجتماعي التي يراها البعض بمثابة الوجه المشرق الوحيد خلال أعمال الخير والإحسان بعد تفشي الفيروس، الذي فرض حظر التجول والتباعد الاجتماعي، وأدخل المواطنين إلى بيوتهم، وقطع مصدر عيش الأسر المعوزة، التي خصت الدولة بعضها ببعض المساعدات المالية المحدودة. أفعال تنم عن حس وطني وروح التآخي والتآزر، التي يتشبع بها بعض ممن في قلوبهم ذرة من الإنسانية والذين يجب التنويه بهم، غير أن هذا الحس الوطني والإنساني المطلوب، ينبغي أن يشمل كل مناحي الحياة ويحضرنا في أوقات الرخاء والشدة، وأنت ترمي قمامتك في الشارع، تذكر عامل النظافة الذي يصارع روائح كريهة من إنتاجك حتى يبقى حيك نظيفا، وكي تستفيق صباحا وقد أفرغت أزبالك النتنة في جوف شاحنة النفايات، بمجهود جنود الخفاء الذين أنجزوا بشرف مهام يحتقرها البعض، يعملون في ظروف كارثية، ويعانون في صمت تام، وإن غابوا يوما واحدا صارت الشوارع والأحياء السكنية شبه مطرح للنفايات، ينحنون ويقفون ويواجهون شمس الصيف وبرد الشتاء، من أجل كسب لقمة عيش أسرهم، وغالبية المغاربة يسمون عامل نظافة بـ”مول الزبل”، وهي عبارة قاسية يستحقها من يرمي الأزبال في غير مكانها الأصلي.

تذكر وأنت على شرفة بيتك تسقي أزهارك، وتستنشق عبق عبيرها، أن هناك بشرا مثل كل البشر، أخرجتهم الحاجة إلى الطرقات والشوراع، كل سلاحهم في الحياة، هي عصاة تقف على مكنسة، يرفعون أحمالا وأطنانا من القمامة والحجارة والتراب، تلفح وجوههم أشعة الشمس المحرقة في النهار، ويسد أنوفهم الغبار، ويغزو الهواء البارد أجسادهم بالليل، وبين هذا وذاك، تقتلهم نظرات المجتمع التي تخترق أجسادهم الضعيفة فتزيدها وهنا على وهن، لينتهي كل ذلك بدراهم معدودة قليلة لا تكاد تسد رمق جوعهم أو سد احتياجات من يعولون. تذكر وأنت تُنزل أحمال أزبالك، ونحن في الزمن الوبائي الأسود، أن عامل النظافة ذاك، معرض لخطر الموت بفيروس “كورونا”، بسبب إهمالك واستهتارك، فاحرص على الإقفال المحكم لأكياس قمامتك، وليكن حرصك أشد وأنت ترتب رمي كماماتك وقفازاتك التي يمكن أن تكون موبوءة، وذلك بوضعها في كيس خاص ومتين ومغلق بشكل جيد، لأنهم يشتغلون في أوسخ مكان تتصوره في الكون، فحاول فقط تسهيل مأموريتهم بالعودة سالمين لأولادهم.

وأنت تهرول لتقيس حرارتك، تغسل يديك لتلبس كمامة خوفا من أعراض “كورونا”، تذكر الأطباء والممرضين وكل العاملين في قطاع الصحة، الذين اختاروا العيش وسط الميكروبات والفيروسات كل يوم، حيث أظهرت أزمة “كورونا” شجاعة وتضحية هؤلاء الذين يتحملون في الظروف الحالية ضغوطا كثيرة في مواجهة خطر الوباء، حيث أصبح التصفيق طقسا يوميا للجيش الأبيض يمارسه البشر، تقديرا للطبيب والممرض، وكأن البشرية عقمت أيديها من التصفيق للسياسيين، يضحون بكل شيء، يرسم التعب والإرهاق ملامحهم في سبيل بث الأمل داخل نفوس المرضى، فنجدهم من قلب المستشفيات أبطالا خارقين في معاطف بيضاء، اتخذوا القرار في محاربة “كورونا” لاستمرار الحياة، حيث يظن البعض إجراءات العزل الصحي نوعا من التضييق على الحريات، لكن هناك من يقفون اليوم وجها لوجه متحدين الوباء، ويعرضون حياتهم للخطر، تماما مثل الأطباء الذين يخوضون غمار الحرب لمعالجة الجرحى والمصابين، لكنهم يثقون أن ما يفعلونه من أجل حياة الآخرين، هو أنبل الأعمال، لذلك يجب علينا جميعا أن نكون أكثر سندا لهم في مشوارهم عن طريق الالتزام بنصائهم، حرصا على سلامتنا وسلامتهم.

وأنت تتذمر من صراخ أبنائك وفوضى غرفهم، تذكر أساتذتهم، صبرهم وتفانيهم، ذلك أن نسبة كبيرة من الفصول الدراسية، أصبحت مكتظة بالتلاميذ، ولا يبقى أي حيز أو رقعة إلا وتم استغلالها، إذ يجلس أحيانا ثلاثة متعلمين على طاولة واحدة مزدحمين لا تسعهم مساحتها، ولم تبق ممرات فارغة تسمح للمدرس بالمرور ومراقبة التلاميذ عن قرب، كما تشهد الساحة كثافة مهولة، بحيث لا يوجد شبر من الأرض إلا وفيه تلميذ، وتحت وطأة الاكتظاظ، أصبحت حجرة الدرس ميدانا لأحداث تنزل بكل ثقلها على سير العملية التربوية، فمن التلاميذ من يتأخرون عن موعد الدرس، ومنهم من لا يجد طاولة فيضطر إلى البحث عن مقعد أو طاولة بالقاعات المجاورة، ومنهم من يستغل الفوضى فيزيد الطين بلة، ومنهم من لا يتوفر على كتبه أو دفاتره وأدواته المدرسية، ما يؤدي إلى حدوث شنآن بين الأستاذ والتلاميذ، ومنهم من يرفض إنجاز الواجبات المنزلية، وفي غالب الأحيان، يعيش المدرسون المسندة إليهم الأقسام المكتظة، حالة قلق مفرط، مما يضطر الطاقم الإداري والتربوي لبذل جهود مضاعفة لاستتباب الأمن والنظام، ومع ذلك تبقى فضيلة الصبر من أهم مميزات الأستاذ، والدليل على ذلك، الكم الهائل من البرامج والفيديوهات التي ظهر فيها الأساتذة وهم يقدمون دروسا عن بعد في زمن “كورونا”، كان دفتر التحضير وثيقة شخصية عند الأستاذ لا يطلع عليها أحد إلا في نطاق التدقيق، ولكن الأستاذ الآن يفتخر بدروسه التي قدمها لطلابه على الملأ، ولم يتردد في الإعلان عن أرقام هواتفه ومواقعه عبر أدوات التواصل الاجتماعي.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى