لم يسبق للمحللين أن تناولوا مسألة استقرار الولايات المتحدة وأثر ذلك على العالم. هذا المعطى كان ثابتا دائما، وكل التحليلات والتقارير الدورية كانت تتناول عدم استقرار باقي دول العالم، فاستقرار الولايات المتحدة كان دائما صمام الأمان لكل العالم، وهو ما سمح بتطور التجارة الدولية وتدفقات رؤس الأموال وتوازن القوى مع مختلف الدول المارقة والمهددة للأمن العالمي. هذا الاستقرار استفادت منه الولايات المتحدة الأمريكية والعالم بشكل عام، وسمح للدولار الأمريكي بأن يصبح عملة أساسية لجزء هام من التداولات العالمية.
اليوم، هذا المعطى بدأ يتزعزع بنسبة كبيرة، خصوصا مع التوقف الاضطراري للاقتصاد الأمريكي وغياب أفق محدد لعودته للوتيرة السابقة، وعدم الاستقرار الداخلي الذي بدأ يأخذ حجما غير عادي، كما أن إدارة الرئيس ترامب للولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير معهود كما كان سابقا، جعل صورة هذا البلد تهتز حتى عند أقرب الحلفاء.. فاهتزاز الموقع الأمريكي ليس بالأمر الهين بالنسبة لباقي العالم، خصوصا مع وجود دول كالصين وروسيا واليابان وألمانيا التي لم تكن راضية عن مجريات سياسة العالم حسب القواعد التي فرضتها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها كانت تشتغل بها في انتظار أن تتوفر الظروف المناسبة لإعادة التفاوض بشأن السياسة العالمية من موقع أفضل.
ما يقع في أمريكا، يذكرنا بالفترة الصعبة التي مرت منها الإمبراطورية الرومانية القديمة، والتي كانت عقيدة دولتها آنذاك مبنية على قوة السلاح والاقتصاد، كما كانت مبنية على نظرية واحدة، وهي أن تطور واستقرار روما يمر عبر عدم استقرار باقي العالم الخاضع وغير الخاضع لسيطرة روما، لكن حكام روما لم يكونوا يتوقعون أن التحولات الاستراتيجية الداخلية هي التي أسقطت روما بعد ما يناهز خمسمائة سنة من الحكم، وأعتقد أن استقرار أمريكا لم يعد فقط مطلبا داخليا، بل عالميا على أساس قواعد جديدة بالتأكيد، تسمح بتحقيق رخاء اقتصادي جديد.