المنبر الحر | من دروس الجائحة.. الحاجة إلى دولة تنموية
24 يونيو، 2020
0 3 دقائق
بقلم: رضوان زهرو *
يمر العالم اليوم بأزمة حقيقية، أزمة أسوأ مما نعتقد، حتى أننا لا نستطيع الإحاطة بجميع جوانبها وتقييم مختلف تداعياتها، أزمة بنيوية عميقة، وهي للتذكير، ليست وليدة اليوم، فالجائحة جاءت فقط لتبرزها وتخرجها إلى الوجود.
وإذا كانت الجائحة صحية بامتياز، فإن الأزمة أكبر من ذلك وأعمق، حيث إنها متعددة الأوجه والأبعاد، أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية، أزمة لم يشهد العالم مثيلا لها من قبل، منذ أزمة الكساد الكبير خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
أما عندنا نحن في المغرب، فالدولة التي أسرعت إلى مواجهة الجائحة، بقيت صامدة، تقاوم بما أوتيت من قوة، ومعها وإلى جانبها، الاقتصاد والمجتمع، لنكتشف بلدا قويا، متماسكا، يعيش الأزمة بأسلوبه الخاص، كعادته دائما في مثل هذه الظروف العصيبة، بلد يعيش الأزمة في صمت، بكل أنفة وكبرياء وعزة نفس، رغم الصعوبات، ورغم الإكراهات: ركود وبطالة وتضخم، ارتفاع في المتطلبات، تراجع في الناتج الوطني، تراجع في الإيرادات، ندرة في الموارد، عجز في الميزانية وفي الميزان التجاري، نقص حاد في الاحتياطي من العملة الأجنبية (نتيجة تراجع حجم الصادرات ومداخيل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج)، بالإضافة إلى تداعيات الجفاف.
كل هذا جعلنا نكتشف مقاولات (كبرى أو صغرى) تعاني، بل تختنق، وإنقاذها يتطلب عناية مركزة وتنفسا اصطناعيا، من خلال “ضمان أوكسجين” و”ضمان انطلاقة”، وكأنها لم تكن تربح بالأمس، ضعيفة منهكة، تستجدي كل دعم ومساندة، ونكتشف كذلك، معارف لنا وبعضا ممن حولنا، وهم في أزمة، القريب منهم والبعيد، الجار والصديق، العامل والعاطل، من يشتغل في قطاع مهيكل كالذي يعمل في القطاع غير المهيكل، من فقد شغله، ومن لم يفقده، الجميع في الأزمة سواء.
إن استخلاص الدروس والعبر من هذه الجائحة، يقتضي حتما مراجعة بعض اختياراتنا التنموية، خاصة في بعديها الاقتصادي والاجتماعي، فالجائحة جاءت لتكشف لنا عن واقع مرير، واقع إذا كنا لا نعلمه من قبل، فهذه مصيبة، أما إذا كنا نعلمه ونخفيه أو لا نتحرك لتغييره، فتلك لعمري خطيئة كبرى، وذنب لا يغتفر، فقر وهشاشة، هشاشة الملايين، فحوالي 60 % من الساكنة تعيش اليوم ظروفا اجتماعية قاسية، ولا تستطيع العيش بكرامة، كذلك هشاشة المقاولات، حيث إن كثيرا من عمالها ومستخدميها لم تكن تصرح بهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي، بعيدا عن أي مراقبة أو محاسبة، ولأن جزء كبيرا منها مرتبط بالخارج، ولأن القطاع غير المهيكل يهيمن على كثير من أنشطتها، فإن هذه المقاولات سرعان ما عرفت اختلالا مزمنا في ماليتها، ونقصا حادا في خزينتها، بسبب العزل المنزلي، في المغرب كما في بقية دول العالم.
وإذا كان المغرب قد نجح نسبيا، واقترب من كسب الرهان، في تعامله مع الجائحة، وأصبح نموذجا يحتذى به على المستوى العالمي، من خلال الإجراءات الاستباقية والجريئة والمتبصرة التي أمر بها الملك، فإن ما ينتظرنا كبير وكبير جدا، حيث إن بوادر أزمة حقيقية تلوح في الأفق، وتجاوزها يقتضي في المقام الأول، كثيرا من الصبر والتضحية والتلاحم والتضامن، كما يقتضي كذلك وضع منهجية عمل واضحة، تحدد بدقة الأهداف والأولويات، عبر سياسات اقتصادية واجتماعية، مالية ونقدية، توسعية ومنظبطة، إرادية وطموحة، من قبيل:
– الزيادة في الإنفاق العمومي وفي الاستثمار العام، وفي حجم الشراكات بكل شفافية وديمقراطية، وعملا بمبدأ الأفضلية الوطنية، حفاظا على فرص الشغل المتاحة وعلى الطاقات الإنتاجية الوطنية.
– تمويل الاقتصاد، من خلال تمويل المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، بالاعتماد على القروض الموجهة التي تستهدف بصفة خاصة، المقاولات المحتاجة أو تلك التي في وضعية صعبة، وتمويل الإبداع والابتكار، بالإضافة إلى ضخ (من طرف البنك المركزي) مزيد من الأموال في النظام المالي، وتخفيض معدل الفائدة الرئيسي، ومعدل الاحتياطي الإلزامي، من أجل إتاحة المزيد من السيولة لأجل الإقراض، مع الرفع من قدرة مناخ ممارسة الأعمال على التكيف مع الأزمات في المستقبل.
– التدبير الجيد والعقلاني لاندماج الاقتصاد الوطني في نظام العولمة، وفي مختلف الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف، حتى يصير هذا الاندماج بحق، اندماجا متوازنا يحقق النمو ويرفع من الدخل، ويساهم في تحسين المعيشة.
– إعادة الاعتبار للسوق المحلية، ودعم الطلب الداخلي.
– التفكير في وضع سياسة وطنية للتخزين الاستراتيجي على المديين المتوسط والبعيد، خاصة بالنسبة للمواد الأساسية، الغذائية والطاقية، وتوفير البنيات الأساسية لذلك، تحسبا لكل طارئ.
– تجنب التبدير وسوء التصرف، مع الحكامة وحسن التدبير والتقليل من البذخ والنفقات غير الضرورية من طرف الجميع، إدارات وأسر ومقاولات، فليس كل ما نشتهيه ونريده يجب أن نحصل عليه دائما.
و يبقى الأهم من كل هذا، هو التشبث بالأمل في المستقبل، والثقة في قدراتنا وإمكاناتنا، والثقة في مواردنا البشرية المبدعة والمبتكرة، والثقة في مزايانا التنافسية العديدة والمتنوعة.
إننا نحتاج اليوم، إلى “دولة تنموية”، تجعل الإنسان في صلب العملية التنموية، ومحور اهتمامها وقراراتها، دولة تحسن قراءة الواقع جيدا، في ظل الظروف الحالية، وفي ظل السياق الدولي الذي نعيشه اليوم، والذي أقل ما يقال عنه أنه مضطرب وغير مستقر، يطبعه التوجه نحو الحمائية والانغلاق، دولة تحدد التوجهات الاستراتيجية الكبرى على المدى البعيد، تتوفر على رؤية اقتصادية واضحة، تقوم على هدف استراتيجي عنوانه البارز “إعادة البناء”، أي إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي لمغرب ما بعد الجائحة التي شلت مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية على مدى أشهر، ذلك أن المطلوب اليوم، ليس مخططا طموحا للإقلاع، أو استراتيجية تنموية شاملة، وإنما خطة ظرفية ومتدرجة، لإنعاش الاقتصاد وإعادة بنائه على أسس صلبة ومتينة، من أجل استعادة الاستقرار الاقتصادي من جديد، خطة تأخذ بعين الاعتبار متطلبات “الأمن الاجتماعي” عند اتخاذ أي قرار، أو سن أي إجراء، أو تصميم أي مشروع في أي قطاع من القطاعات، خطة تحقق الشروط الدنيا لـ”الدفاع الاجتماعي”، على غرار الدفاع الوطني، أو الدفاع عن الأمن القومي، وبذلك وحده نستطيع “تأمين التنمية” على المديين المتوسط والبعيد.