المنبر الحر | أثر ثقافة “كورونا” على الإنسان العالمي
2 يونيو، 2020
0 2 دقائق
بقلم: سعيد الهوداني
في ظل جائحة “كورونا” وما عرفته من مخرجات، تمثلت في تضارب الآراء بين زعماء ورؤساء الدول في تقدير خطورة الوباء، والتعليقات والاستجوابات، والصراعات بين الخبراء والأطباء وشركات الأدوية حول إيجاد دواء ولقاح لـ”كوفيد 19″ وما حملته من أخبار زائفة على الفضاءات والمواقع الاجتماعية المتنوعة في شأن خطورة الفيروس وكيفية الوقاية منه، واعتبارا للعدد الهائل للوفيات الذي سببته الجائحة على الصعيد العالمي، وفرض الحجر الصحي الذي ألزم البشرية جمعاء المكوث في المنازل زهاء ثلاثة أشهر منقطعين تماما عما كانوا عليه، وعما ألفوه في حياتهم العادية، ونهج وتطبيق تعليمات وإجراءات جديدة لم تكن في الحسبان، كالنظافة المفرطة لليدين، والتباعد الاجتماعي، وإلزامية ارتداء زي جديد سمي بالكمامة.. كل هذه المخرجات التي أفرزتها جائحة “كورونا”، أثرت بشكل رهيب على نفسية الساكنة العالمية، وتسببت في تأزم وضعية المرضى الذين يعانون من الوسواس القهري، وفي إصابة جل الساكنة بهذا المرض إلى درجة تفكير عدد كبير من الأسر في الهجرة إلى القرى والمدن الصغيرة.
إن الزي الجديد الذي فرض على الإنسان عالميا، كان حكرا على الأطباء، والباحثين في المختبرات البيولوجية، وعلى بعض المهن كالحدادة والتلحيم..
إن الكمامة، اللثام أو النقاب، كان معروفا في المجتمعات القديمة، العربية منها والإسلامية، حيث كانت ترتديه المرأة العربية المسلمة، وهو يمثل قيم الحشمة والوقار والحياء، والامتثال لتعاليم الشريعة الإسلامية.
واللثام يرتديه أهل الصحراء في الحروب، وأثناء العواصف الرملية، وها هو الآن أصبح لباسا لكل البشرية، أطفالا ورجالا ونساء، وأصبح كذلك سلاحا ذو حدين: لباسا يقينا بنسبة كبيرة من الإصابة بالفيروس، وقناعا يستغله المنحرفون والنصابون والمجرمون في ارتكاب جرائمهم المتنوعة، دون أن يتعرف عليهم ضحاياهم.
من المخرجات التي لم يستطع الإنسان العالمي استيعابها وقبولها، هو عدم السلام والعناق الذي يعبر عن الحب الحقيقي للشخص، وحتى الفرحة الجنونية التي نشاهدها في ملاعب كرة القدم، عندما تسجل الإصابات، اختفت تماما، وتحولت إلى سلام بارد بالمرافق.
وأنت في الشارع، وفي العمل، تتبادل التحية من بعيد، وتعيش هاجس الخوف، وتخاف أن تحمل معك الفيروس إلى المنزل إلى أسرتك وعائلتك.
حتى ولوج المساجد والكنائس والمقاهي والمسارح وزيارة المتاحف سيتغير النظام فيها وكيفية استقبال مريديها.
من كان يظن أن صلاة العيد ستؤدى في البيوت؟ ومن كان ينتظر سماع جملة: صلوا في بيوتكم بعد الآذن؟
الأمر إذن، يتطلب سنوات عديدة للتأقلم مع هذه الثقافة الجديدة، والتعايش مع الفيروس يتطلب تعبئة وإجراءات جديدة، أبرزها الدعم لنفسي للإنسان العالمي، لأن حياته انقلبت بطريقة كلية ومفاجئة لم يتم التحضير ولا التعبئة لها من قبل، لذا، فكثير من ساكنة كوكبنا الأرضي ستجد صعوبة كبيرة في الاندماج والتأقلم، وخصوصا الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم ومقاولاتهم والذين خسروا تجارتهم.
ومن جهة أخرى، فنحن غيرمدربين وغير مؤهلين لمجابهة ومناورة مثل هذه الأزمات والنكبات، فالتجارب والمحن والنوازل هي التي تصنع الرجال الأقوياء الأشداء.
كل منا يقيم من زاويته ماذا خسر وماذا غير فيه “كورونا”، الطلبة الجامعيون الذين أنهوا دراستهم هذه السنة، والمتخرجون من المدارس الوطنية أصحاب الماستر، والمهندسون والأطباء المتخرجون وآباء وأمهات هؤلاء يتساءلون عن حفل التخرج الذي انتظروه لسنوات وأنفقوا عليه الكثير، هذه اللحظة التي يرتدي فيها الطالب المتخرج البدلة المتميزة بطربوشها الجميل بحضور مدير المدرسة ورئيس الجامعة ووفد رسمي رفيع، وأسر وعائلات الطلبة المحتفى بهم، قيمة الحصيلة الدراسية كلها عند معظم الطلبة في كفة، ولحظة التتويج بالدبلوم في كفة أخرى.
أمنيتنا إذن، أن يندثر ويزول الفيروس بشكل نهائي من كوكبنا الأرضي، وأن نحتفظ ونطبق ونعمل بالقيم والعادات الجميلة التي خلفتها جائحة “كورونا”، ويتم التفكير بجدية في كل ما يسعد الإنسانية ويجمعها تحت سقف التضامن والتسامح والتعايش.