المنبر الحر

المنبر الحر | المحافظون والمجددون.. أرجل المجتمعات

بقلم:  رحال هرموزي

    من يريد السير إلى الأمام لا يقدم رجليه مرة واحدة، وإذا فعل، فإنه لن يمشي بعيدا، لأنه يفقد توازنه ثم يسقط.، فالسير إلى الأمام يكون بالخطوة الثابتة وليس بالنط، خصوصا إذا كانت الأرضية مجهولة، لذلك، لا بد لإحدى الرجلين أن تتقدم أولا حتى إذا وجدت موطئا صلبا آمنا تتبعها الرجل الأخرى وسائر الجسد، والرجل التي تتقدم أولا لها فضل الاكتشاف وفضل جر الجسم إلى مكان جديد، والرجل الثانية لها فضل المحافظة على وقوف الجسد وضمان توازنه، وتقدم الجسم البشري إلى الأمام يتم بتناسق تام بين أطرافه وأجهزته، لأن جهازا حكيما يحرص على سلامة الجسم أثناء حركته، وهو الدماغ.

المجددون والمحافظون في المجتمع، بمثابة الرجلين من الجسد، المجددون يجرون المجتمع إلى الأمام، نحو التقدم الفكري والعلمي والحضاري بصفة عامة، والمحافظون يحافظون على مكتسباته وثوابته، فإذا خلا المجتمع من المجددين فإنه لا يبرح مكانه، وهذا يؤدي إلى التخلف عن الركب الحضاري الذي لا ينتظر، وإلى هلاك المجتمع برمته، وإذا خلا المجتمع من المحافظين، فقد يجد نفسه هائما بلا تاريخ ولا أصالة تحافظ على تماسكه، وهذا كذلك يؤدي إلى تشتته وهوانه.

إذن، لابد لكل مجتمع من التجديد، ولابد له من المحافظة على أصالته، فلو لم يظهر في أرووبا خلال القرون الوسطى مفكرون مجددون في الفكر والعلوم والمعارف كلها، لظلت إلى اليوم تبيع صكوك الغفران وتؤمن بثبات الأرض.. ولظلت شوارعها تزكم الأنوف والأمراض تحصد أرواح شعوبها، هذا إن لم تستول عليها شعوب أكثر تطورا، ولو سارت خلف المجددين وفرطت في دينها والصالح من مكتسباتها، لكانت اليوم شيئا آخر، لأن الحضارة تراكم يقف بعضه على بعض.

ما يجري اليوم في المغرب على مواقع التواصل الاجتماعي من تنازع بين أنصار ومعارضي بعض الباحثين المغاربة، والتي تحولت إلى حرب كلامية طاحنة بين الفريقين، هي في الحقيقة صراع بين المحافظة والتجديد رغم أن المحافظين أنفسهم يدعون أنهم مجددون بطريقتهم. إنه تنازع صحي لو كان يتم بالحوار العقلاني دون سب وقذف قد يتحول إلى تهديد، وعلى الجميع أن يعي بأن المحافظة والتجديد رجلان يسير بهما المغرب نحو الأمام، لكن ما لا يعجب، هو محاولة كل طرف إلغاء كل فضل عن الآخر.

وإن كان للجسم دماغ يسهر على سلامة الجسد أثناء سيره، يجب أن تكون الدولة بمثابة الدماغ الذي يسهر على حماية الجميع وضمان حقهم في التفكير والتعبير والاختلاف ليحصل التقدم، ولكن لا يجب أن ننسى أن الرجل المريضة لابد أن تؤخر وتحد من سرعة السير، فما يروج في مواقع التواصل الاجتماعي بين المحافظين والمجددين، ينبئ بتصلب في المواقف، وهذا لن يسمح بالسير إلى الأمام بشكل سليم ومتوازن، لأن الرجل المعاقة المتصلبة تعوق سير الجسد ولو سلمت باقي الأطراف.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى