ينص الفصل 44 من قانون المسطرة المدنية على أنه ((إذا صدرت خطب تتضمن سبا أو إهانة أو قذفا من أحد الوكلاء الذين لهم بحكم مهنتهم، حق التمثيل أمام القضاء، حرر القاضي محضرا وبعثه إلى النيابة العامة، وإذا تعلق الأمر بمحام بعثه إلى نقيب هيئة المحامين))، وينص الفصل 299 من قانون المسطرة الجنائية، الصادر بتاريخ 10 أبريل 1959، على أنه ((يسند حفظ النظام في الجلسة للقاضي الذي يرأسها، وهو يسير دراسته للقضية في الجلسة كما يسير المناقشات، ويجب عليه أن يرفض كل ما يرمي إلى إطالة كل منهما بدون جدوى، وهو الذي يقرر توقيف الجلسات))، أما الفصل 302 فقد جاء فيه: ((يمكن للرئيس أن يحظر على الأحداث أو على البعض منهم ولوج قاعة الجلسات، إذا رأى أن حضورهم فيها غير مناسب))، ونجد الفصل 303 من نفس القانون ينص على أنه ((إذا رأت الهيئة القضائية أن في علانية الجلسة خطرا على النظام العام أو على الأخلاق، أصدرت حكما يجعل الجلسة سرية)).
وتطبق سرية الجلسة المقررة في هذه الصفة، بناء على تلاوة أي حكم يبت في مسألة عارضة طرأت أثناء التحقيق أو المناقشات.
إن قوانين العالم كلها تتضمن نصوصا تشريعية مشابهة لهذه النصوص، تكفل هيبة القاضي وحرمته واحترامه، وتعاقب كل من يخرج عن هذا المبدإ أو يمسه.
والقانون حينما يفرض على الناس احترام القضاء، ويضع عليهم عقوبات مشددة إذا أخلوا بهيبة القاضي وكرامته، فإن ذلك لا يعتبر امتيازا يحظى به القاضي دون غيره من رجالات الدولة، وإنما ذلك يعتبر ضرورة اجتماعية، لأن الإنسان يصعب عليه أن يتخلى عن وجهة نظره في خلافه مع خصمه، إذا لم يكن في نفسه حرمة وتقديس لمن يقول له بأن وجهة نظرك خاطئة، والقرآن الكريم أمر المسلمين أن يسلموا تسليما بما يقضي به نبيهم محمد (ص)، القاضي الأول، ونفى عنهم صفة الإيمان إذا لم يقبلوا بحكمه، حيث قال تعالى: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)).
إن مظاهر الهيبة والجلال والوقار، يجب ألا تدع القاضي بعيدا عن متناول ذوي الحاجة والمصالح، كما هو شأن بعض القضاة الذين يأمرون الحاجب (الشاوش) بعدم السماح لأحد بالدخول عليهم، إلا بعد إذن مسبق، أو في الحالات الضرورية، أو ما شابه ذلك من العراقيل في الولوج إلى حضرتهم، لأن هذه الإجراءات إذا لم تقتضيها طبيعة العمل، فإنها تكون نوعا من العلن ومحاولة الانحجاب عن الناس، ولا يخفى أن الأعوان كثيرا ما يسيئون استعمال رغبة القاضي في تقديم الناس إليهم، سواء عن قصد أو عن غير قصد، فيلجأ الناس للوسطاء وأهل الالتماس في سبيل قضاء حاجاتهم بأي وسيلة من الوسائل.
ومن دواعي الهيبة، أن يكون القاضي ذا رأي سديد وقول صائب، ولا حرج أن يرجع إلى الصواب إذا أخطأ أو جانب الصواب، وفي هذا الصدد، نجد وصية عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري التي جاء فيها: ((.. لا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل)).
وهناك مبدأ هام تنص عليه القوانين الجنائية في العالم هو أن “براءة متهم خير من إدانة بريء”.