ملف الأسبوع | أسرار انتقال العرش إلى الملك محمد السادس

إعداد: عبد الحميد العوني
من تاريخ 20 غشت 1983، بدأ الحسن الثاني، وعمره 52 سنة، في انتقال العرش إلى ابنه سيدي محمد، عبر مجلس البيعة، مكون من 13 شخصا، وكان مهما لدى الملك الراحل وقف إطلاق النار في الصحراء، وتسليم المعارضة حكومة تبارك قيادته العسكرية والأمنية للمملكة، لتأمين التحول خوفا من المرض أو الاغتيال، طبقا للفقرة الأولى من التقرير السري لـ”السي. آي. إي” تحت الرقم 10491 لسنة 1982 والمرفوعة عنه السرية في الثاني من أكتوبر عام ألفين وثمانية.
وتبعا لما وثقه الأمريكيون، فإن نفس الخطوات يمارسها كل ملك لخلافة ابنه للعرش، ومنذ 19 سنة، بدأ ولي العهد في المغرب بكشف الثوابت السياسية التي سيعتمدها حكمه، ويعد محمد السادس استمرارا لأبيه الحسن الثاني، من خلال نقطتين: الاعتدال الديني والقرب من الغرب، ومن المهم أن القانونيين هيمنوا على مجموعة محمد السادس، وفي وقت لاحق نافسوا على السلطة، وفعلا أطلقت هذه المجموعة مفهوما جديدا للسلطة لإدارة الوضع الانتقالي للمملكة، قبل أن يؤول الأمرإلى إدارة صديقه علي الهمة، الموظف السامي السابق في الداخلية، ويستقر الأمن عند مستشاره الحموشي الذي تسلم إدارة الأمن الداخلي والمخابرات الداخلية من خلال مديريتين عامتين.
وانسحب القانونيون من محيط الملك محمد السادس لصالح الأمنيين، الذين يرسمون سيطرتهم على مستقبل العرش العلوي، وقد سببت هذه الهيمنة في إذكاء الاحتجاجات، وحسب رأي “السي. آي. إي”، فإن هذه الاحتجاجات غير مؤثرة، حسب رأيها الذي يعود إلى 38 سنة مضت، حيث تجاوز المغرب سيناريو التحول عبر الانقلابات العسكرية، بعد عشر سنوات من انقلاب أوفقير، حيث ظهرت طاعة واضحة لكبار الضباط، ولم يعد هناك معنى لخلافة أسلوب أوفقير في الجيش، لتكون خلافة الملك تحت درجة تأمين عالية.
وتعترف “السي. آي. إي” بضعف معلوماتها حول الضباط المغاربة ومواقف الضباط الصغار، والشباب تحديدا، تجاه المشاركة في التحول الذي لا يزال شائكا في المغرب.
——-
+ الدور السياسي للجيش المغربي سيزداد كلما زادت مظاهر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية
القيادة القوية للملك محمد السادس لم تعد محل شك كما كان في السابق، لأن القانونيين لم يعودوا مستشارين فعالين في القصر، لكن الدور السياسي للجيش المغربي، سيزيد بشكل متوقع كلما زادت مظاهر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ولم تتمكن “السي. آي. إي” من معرفة مواقف الضباط الشباب ومدى مطابقتها لموقف شباب المجتمع المدني، وهو ما يجعل المخابرات الأمريكية تعتمد على هذا المعامل في تحديد مستقبل التحول في المغرب، وإن كان سيساهم فيه الجيش أولا، و”ليس هناك، على ما يظهر، أي تنسيق في التحرك ضد الملكية”.
وقد سهل وقف إطلاق النار في الصحراء، انتقال العرش إلى الملك محمد السادس، بما يعني أن حربا في الصحراء قد تخلط الأوراق أمام مؤسسة ولاية العهد التي أصبحت أقوى وأوضح، بعد 38 سنة(1) من “خلط الاحتجاجات الشعبية والانقلابات العسكرية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، خصوصا وأن لدى الحكومات في المغرب قدرات محدودة على الاستجابة لتطلعات الشارع، ومن المستحيل معرفة كيف يمكن إدارة مشاكل جزء منها بسبب القيادة”.
وإدارة الأزمة في ظل ملكية دستورية ضعيفة يزيد من صعوبة الوضع القائم، وقد تدفع الرتب الدنيا والمتوسطة في القوات المسلحة إلى استعادة ما كان لها في وقت سابق.
إن الاضطرابات المحدودة تحت قبضة الأمن الداخلي والشرطة في عهد الحموشي، تشكل حاجزا لمنع تدخل الجيش، ولذلك، فإن ما أشارت إليه “السي. آي. إي” في انتقال العرش انتهى إلى بناء معادلة يتقدم فيها الأمن الداخلي لمنع الأمن العسكري من الإدارة أو التأثير في المرحلة الحالية.
ورغم استفحال الأزمة الاقتصادية، هناك شعور بأن تخوف “السي. آي.إي” تجاوزه المغرب، رغم وجود تقارير تؤكد على وجود نفس المخاوف، فمن جهة، لم يرغب الشعب في التورط في أي إضراب شامل لكل المملكة، ولا يسمح النظام بنفس الصرامة في كل جهاته الترابية، لوجود خلاصة استخبارية أمريكية، مفادها أن الجيش يمكن أن يتدخل في أي اضطراب، وهو ما لاحظه الجميع في آخر تدخل له ضد انتفاضة فاس التي أعطت مباشرة للمعارضة، حسب مشاورات إفران، الحق في تشكيل الحكومة.
ففي احتجاجات 20 فبراير 2011، انتهى حياد الجيش إلى دستور جديد، وفي الموجة الثانية من الاحتجاجات، وقد أخذت طابعا اجتماعيا وجهويا في حراك الريف، تسلمت المخابرات الداخلية والشرطة إدارة ملف الحسيمة، كي لا تسمح لأي طرف آخر، من حملة السلاح، بالتدخل.
لقد أبعدت الدولة الجيش والدرك عن هذه المهمات الحساسة، للحفاظ على نفس المسافة الموروثة عن الحسن الثاني بين القلاقل الاجتماعية وبين القوات المسلحة الملكية، وهي التي حسمت نزاع الريف في نهاية الخمسينات وانتفاضات المدن إلى 1990، ولا يزال الحس الاجتماعي في المطالب يتفوق على عهد الشيوعية السوفياتية والحرب الباردة، وتعتقد “السي. أي. إي” إلى منتصف سنة 1982، أن نهوض نظام يساري عبر الضباط الصغار، “حالة ممكنة”، وأجهضت الولايات المتحدة هذا السيناريو، لأن مثل هذا الخيار يمس بمصالحها في المنطقة.
تقول الوثيقة: “إن نظاما ثوريا جذريا هو الأقرب إلى خلافة الحسن الثاني بعد موته، فيما تطرف المجموعات الإسلامية يتحدى شرعية محمد السادس(2)، غير أن هذه المجموعات تفتقر إلى قيادة كاريزمية قوية، وغير مهيأة بشكل كاف لصفقة حول السلطة مع النظام.
وحاولت الدولة صناعة هذه الكاريزما في شخص بن كيران، لتجاوز أزمة الربيع العربي وحراك 20 فبراير المحلي، لكن ما قالته “السي. آي. إي” حول الافتقار إلى قيادة كاريزمية، مع إضافة نعت “قوية”، جعل الصفقة محدودة في ظل دستور جديد، ولذلك، فإن تحول الانقلاب المجتمعي إلى نزعة يسارية في المؤسسات، هو التحدي الجديد الذي تعيشه المملكة بشكل واسع وعميق.
+ المغرب يعيش الانتقال ولم يتحول إلى أزمة مع الحسن الثاني
إن عرشا تقليديا يعد الحامي بالنسبة للأمة وللعائلة العلوية، وهو في الأصل حق إلهي، قاعدة تسود المجتمع المغربي(3) وتدعم شرعية الملك، وقد اعتمد الحسن الثاني على الدستور الذي قدم وكتب أحكامه لحماية النظام الملكي، وتحقيق انتقال ناعم في حالة الوفاة أو التنازل.
وكان واضحا أن الولايات المتحدة الأمريكية تداولت تنازل الحسن الثاني عن العرش لنجله الأكبر سيدي محمد خلال منتصف الثمانينات، لكن تأثير إدريس البصري وتوقف الحرب في الصحراء، لم يساهما في هذه الخطوة، وقدرت واشنطن “سيناريوهات ما بعد التنازل”.
ويرى التقرير أن الحسن الثاني قام بترتيبات صورية للتنازل، رغم أن “سيدي محمد كان مهيئا لخلافة الحسن الثاني منذ كان صغيرا”، إذ كان معظم الوقت في قاعات الدرس(4)، حسب تقرير السفارة الأمريكية في الرباط، موضحة أن أعمال قمة فاس في نونبر 1981، كشفت حضور سيدي محمد، إلى جانب الجنرالين مولاي حفيظ العلوي والدليمي في مباشرة ملفات حساسة.
وقد قرر الحسن الثاني في هذه الظروف، الاعتماد على “حليف عمومي” متمثل في برلمان منتخب بشكل شفاف لمساعدة الملكية، كي لا يمارس مجلس البيعة أي سلطة حقيقية.
وهذه التوازنات جعلت انتقال العرش موصولا بإدارة المعارضة للبلد، وتحقق الأمر في سنة 1997 مع عبد الرحمان اليوسفي، بعد إبعاد الدليمي، الرجل الأقوى المستقل في المملكة، وفعلا قاد الاتحاد الاشتراكي الوزارة الأولى.
وجاء إقصاء أحمد الدليمي، ضمن ترتيبات بين الحسن الثاني والمعارضة، لتأمين انتقال العرش في أي لحظة، فالدليمي خلف أوفقير في تلك الرغبة الدفينة بتنازل الحسن الثاني لابنه عن العرش، ووقف الجنرال مولاي حفيظ العلوي في وجه “مخطط التنازل”، ونافس إدريس البصري الجنرال العلوي في هذا المسعى.
وشارك في مخطط التنازل عن العرش من الحسن الثاني إلى محمد السادس، كل من الجنرال أحمد الدليمي، وأحمد رضى كديرة مع آخرين رغبوا في “ملك جديد”. وحسب البرقية الأمريكية، فإن إدريس البصري أظهر تأثيرا كبيراعلى الوضع، واندلعت في الكواليس مواجهة بينه وبين الدليمي على مغرب ما بعد الحسن الثاني، والرجلان يتعاونان في الأمن الداخلي ومسؤوليات المملكة.
ورفض في مجلس الوصاية، كل من إبراهيم كدارة وولد سيدي بابا والمكي الناصري ومولاي حفيظ العلوي ومولاي أحمد العلوي والمحجوبي أحرضان، تنازل الحسن الثاني عن العرش، فيما دافع رضى كديرة والجنرال الدليمي وعبد الله كنون عن ملك جديد، وتحفظ أبوبكر القادري عن حزب الاستقلال بشأن اتخاذ أي موقف.
وانتهى الوضع بعزل الأسماء التي أيدت تنازل الحسن الثاني من طرف إدريس البصري الذي تولى مهام المملكة، والملك الحسن الثاني والدليمي خارج الوطن، وقد كان إدريس البصري واضحا حين قال وأكد أن “المغرب ليس له بديل يساوي الحسن الثاني كي يصير له العرش ويتنازل له الملك”، وكان لمولاي رشيد 12 سنة فقط.
وعلى الصعيد السياسي، فلا حزب مغربي، ولا اتحاد عمالي، ولا أي طرف من مجموعات المعارضة قادر على تحدي الحسن الثاني، أو معارضة ترتيباته، فكل المجموعات تحت الضغط، إما متحكم فيها أو جرى تحييدها.
وقدم التجمع الوطني للأحرار، المدار لأوقات من القصر، كما جاء بالحرف في التقرير السري، دورا آخر يسمى “طاعة المعارضة لشخص الملك”، وربما لعب الملك الحسن الثاني هذه الورقة (ورقة التنازل عن العرش)، لكشف مناصريه، خصوصا وأن الملك الراحل كشف أن أوفقير في انقلابه، كان لا يريد تأسيس جمهورية، بل نقل العرش إلى ولي العهد، وهو السيناريو الذي بقي الملك يحاربه، خصوصا لدى المعارضة التي أرادت ملكا جديدا تحت وصاية مجلس البيعة، وبدعم الجيش المغربي لتحقيق الانتقال وبناء ملكية ثانية.
وحاول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ممثل الطبقات الحضرية الدنيا، بشكل فاشل، الضغط على الملكية من أجل تحول اجتماعي في المملكة، وهذا الحزب له ثقل، لأنه الصوت المؤثر في ترتيبات مغرب ما بعد الحسن الثاني.
وهذه الخلاصة، قالتها “السي. آي. إي” قبل 17 سنة من وفاة الحسن الثاني، وقد جر، في آخر عمره، الاتحاديين إلى تسوية، فيما “لم يكن الشيوعيون في نظرنا علاجا لنظام سيدي محمد”، تقول الوثيقة، ويفسر هذا الوضع إخراج علي يعتة من المشهد.
وبالنسبة للإسلاميين، فلديهم المحفز لتوليد معارضة ضد ترتيبات انتقال العرش، وكانوا درعا لردع مطلب اليسار في تنازل الملك الحسن الثاني لابنه البكر سيدي محمد.
لقد استثمر إدريس البصري جزء من الطيف الإسلامي، ليس لمعارضة هذه الترتيبات المعقدة بين الدليمي ورضى كديرة والمعارضة الحزبية والجيش لخلافة الملك الحسن الثاني، وإنما استثمر كل الإسلاميين ضد اليسار في الجامعات وفي كل مواقع التأثير.
لم يكن الإسلاميون حلفاء البيروقراطية فقط، بل مدافعين شرسين عن الحسن الثاني، إن فكر الجيش في أي بديل كما حدث في محاولة أوفقير، وقد اصطفت إلى جانب المعارضة في ملكية دستورية جديدة عوض نظام الحسن الثاني، لتسهيل انتقال العرش إلى ملكية تسود ولا تحكم، وهذه آخر محاولة من داخل النظام للتحول.
ولا يخلو الصف الإسلامي من رافضين لتفسير الحسن الثاني للقرآن، بل عارضوا الملكية، ونجح الملك الراحل في سحق هذه التوجهات الراديكالية، باستثماره الجيد لإمارة المؤمنين، فانقسمت الجماعة الإسلامية المنتقدة للنظام على نفسها.
ولا يمكن للعرش أن يترك إمارة المؤمنين في قيادة المغرب، ومن الخطورة أن نعرف أن تحالفا حدث بين من يسميهم التقرير “الأصوليين الإسلاميين” وبين “مجموعة الأرثوذوكسيين” أو السلفيين في رفضهم إمارة المؤمنين كي لا تنتقل إلى ما بعد الحسن الثاني، وكان نجاحا باهرا للقصر، عندما استطاع أن يورث الاشتراكيون الاتحاديون إمارة المؤمنين للملك محمد السادس بعيدا عن كل الحساسية الإسلامية، في ترتيبات وفاة الحسن الثاني سنة 1999.
وجاء فصيل من الحركة الإسلامية لتثبيت هذه الإمارة في حراك شعبي بعد عقد آخر، ليكون هذا التحدي وليد ترتيب دام 27 سنة كاملة.
+ تصفية “الباقي من خط أوفقير” في الدولة المغربية من خلال مناورة التنازل عن العرش
أقصت الدولة دوائر نافذة ورجالات، بسبب قبولهم لمسألة تنازل الحسن الثاني لابنه البكر عن العرش، وهو ما اعتبره إدريس البصري وحلفاؤه استمرارا لخط أوفقير في الدولة، الذي يريد تغيير رأس الملكية وبقاء العرش العلوي مستمرا.
وطهر الحسن الثاني الدولة من خصومه الشخصيين، الراغبين في استمرار الملكية بدونه، ورأى أن “هذه هي فرصته الوحيدة في إعادة ضبط المشهد قبل انتقال العرش”. وفي حساب واحد، حسم القصر بين الحسنيين أو الديمقراطية الحسنية، كما كان يكتب عنها مولاي أحمد العلوي، بين الملكيين المناصرين للعرش غير المتعلق بشخص، بل بتحقيق طموحات الشعب عبر الدمقرطة الشاملة من خلال تغيير جذري يساهم فيه الجيش والشعب.
ومن نتائج هذا الوضع، انتصار الحسن الثاني لإدريس البصري مستبعدا أحمد رضى كديرة، وكان ما حدث حاسما في توازنات القوى التي أعاد هندستها الملك الراحل، بعقد مصالحة بين الاتحاد الاشتراكي وإدريس البصري، لإدارة حكومة الانتقال الناعم للعرش من الأب إلى الابن، وفي الوفاة لا غير.
وتكرر هذا المشهد في فصل حلفاء الملكية عن حلفاء الملك، لإدارة الوضع بشكل حاسم، فمن كان مع الحسن الثاني ينتهي معه، ومن كان محايدا ومناصرا استراتيجيا للعرش يدير الانتقال ثم يبتعد.
في المغرب، يمكن أن يكون الزمن الذهبي لدمقرطة النظام دون إسقاطه، هو المرور عبر مرحلة انتقالية يقودها مجلس منتخب بوصاية مجلس البيعة.
وكان دقيقا توسيع البيعة إلى توقيع قادة الجيش في سنة 1999، لتجاوز هذا التراكم الصعب حول انتقال العرش عبر مسطرة التنازل، حيث ذهب رجال وتقدم آخرون إلى دائرة القرار، لأن المناورة كانت مباشرة، فأحرج الملك الرحل أصدقاءه عندما أعلن رغبته في نقل العرش إلى ابنه، فمن قال نعم دفع الثمن، ومن كان حسنيا أكثر من الحسن الثاني واصل مهامه.
لقد كان الملك الراحل مناورا وناجحا، ويدير الضغوط بشكل مباشر، ومن داخل ترتيبات لتنازل أدرك العرش معه أن الكل ملكي، والقلة جمهورية (من داخل المجتمع المدني)، مركزا قوته كقائد عسكري، بعد محاولتين انقلابيتين في السبعينات.
+ لم يكن الحسن الثاني يدير الجيش، بل قائدا لأمنه الخاص، من الحرس الملكي والدرك الملكي والمظليين، إلى جانب تشكيلات يقودها مباشرة، آخرها “الفرقة 19”
إن الجيش أصبح مؤسسة ملكية “محافظة ومطيعة للملك”، ولذلك رفض دعم أحمد الدليمي في أي تحول على صعيد رأس الدولة.
وكان مهما أن تصبح القوات المسلحة الملكية “مؤسسة منسجمة” لا تتفرق على رأي الدليمي (الذي قال بتقاعده إن تنازل الحسن الثاني عن العرش)(5)، ورأي آخر يتقدمه مولاي حفيظ العلوي، وانتهى الخلاف حول تنازل الملك الحسن الثاني من عدمه على العرش، وفعلا، وحد الجنرال بناني العقيدة العسكرية حول قائده.
ولا تزال “السي. آي. إي” تعتقد أن الجيش مجموعات، لاختلافها على صعيد الأعمار والجهات والثروة، ويجمع كبار الضباط على الوضع القائم (الستاتيكو) الذي يضمن الامتيازات بعيدا عن السياسة أو تسييس الدفاع الوطني.
وعلى العموم، فإن الضباط الشباب أكثر موهبة وتقنية، وحاليا، هناك جيل عسكري لا يناقش الطاعة، كما نلاحظه في التجنيد الإجباري، ويحاول الانفتاح على التقنية الأكثر تقدما.
وقد طرحت “السي. آي. إي”، تبعا لتقديرات في ثمانينات القرن الماضي:
1) التنازل الإرادي عن العرش من طرف الملك الحسن الثاني إلى سيدي محمد، وحسب الولايات المتحدة، فإن الحسن الثاني متشبث بالسلطة، ولن يتنازل إلا في مرض حاد لا يقدر معه إتمام واجباته كملك، وكما يظهر، فإن الحسن الثاني كان يحركه إحساس كبير بالواجب.
إذن، كل شيء في هذه الحالة متعلق بصحته.
2) الموت المفاجئ أو المرض، والحسن الثاني تعرض لمحاولات اغتيال، وفي الظروف المفاجئة، كانت خطة الطوارئ منجزة، لتنصيب سيدي محمد ملكا، يقودها ويشرف عليها الجنرال مولاي حفيط العلوي، وهذه المجموعة تقود السلطة، وتقف في وجه الجنرال الدليمي الذي لديه استقلالية، وله تدخل مباشر في الجانب العسكري والأمني، وكل قوته ليست نابعة من القصر، بل من القوات المسلحة الملكية، ولذلك، فالعرش معرض لإرادته.
ويؤكد كل الملاحظين الأمريكيين، حسب التقرير، أن “الدليمي رجل مطيع ولم يسع يوما إلى المساس بالملكية”، ولم يشفع له ذلك في حماية مساره وحياته، حين تأكد أن من عارض الملك الحسن الثاني في تنازله ربح قيادة استخبارات المملكة.
وكان مهما في توصيات “السي. آي. إي” أن يقود محمد السادس، منذ بداية سنوات حكمه، بفريق منسجم، لذلك، أقال إدريس البصري، ووحد عناصر فريقه، رغم وجودهم كمجموعة عمل منذ المدرسة المولوية، وأكدت المخابرات الأمريكية في نهاية تسعينات القرن الماضي، على هذا الثابت، لإنجاح انتقال السلطة من طاقم الحسن الثاني إلى طاقم محمد السادس، فالمسألة تتعلق بترتيبات لما يسميه التقرير “مملكة سيدي محمد”.
3) الانقلاب، لكن فشل أوفقير في الإطاحة بصديقه الملك، عقد الموقف، لأن الاتفاق بين الأحزاب والجيش كان حول الإبقاء على الملكية وإبعاد الحسن الثاني، وبمساعدة العسكر، ينتهي التحول إلى ملكية دستورية تسود ولا تحكم.
لم يكن للحسن الثاني أي مجال لو اختار التنازل، ولذلك، فإن ما ناور به القصر في التمييز بين فئتين من الملكيين، سهل إيقاع الجانب المدني، ممثلا في المعارضة وتحديدا الاتحاد الوطني ووريثه الاتحاد الاشتراكي دون سند عسكري، فانتهى جنرالات العرش، وبقيت الفئة الحسنية خادمة لاستقرار المغرب بشكل مؤثر، لأن الملك الحسن الثاني استهدف انسجام الجيش بتوصية من “السي. آي. إي”، ودعت الملك محمد السادس إلى انسجام فريقه، لربح رهان انتقال العرش.
+ الحسن الثاني أسند أمنه الشخصي إلى الحرس الملكي وفريق المظليين والدرك الملكي، وبقيت نفس المعادلة الأمنية تحميه لـ 15 سنة
لا يمكن لأي حادثة مفاجئة في المنظومة الأمنية للقصر أن تكون خارج الضباط الشباب، وقد زاد عمر هؤلاء الشباب 15 سنة بعد وفاة الحسن الثاني، فأصبحوا خارج هذه الحساسية، قبل أن يخلفوا جيل الجنرالات القادة، عروب وبنسليمان.
وهذه الترتيبات الأمنية الصارمة من الأجهزة الثلاثة، سهلت انتقال العرش قبل أن تصنع جيلا أمنيا آخر يبعد المغرب كليا عن أي حركة عسكرية ضد الملك.
ومن المهم عدم حرمان أي ضابط من العودة إلى حماية القصر وإن بعد مدة قصيرة أو طويلة.
وحاليا، لا يمكن الوصول بشباب إلى موقع المسؤولية الكبرى في أمن الدولة والعرش، وقد فكك الدليمي كل المجموعات داخل القوات المسلحة، فأصبح الانضباط العسكري جزء من معادلة حفظ المملكة.
ولا يمكن بأي حال النجاح فيما فشل فيه أوفقير، إلا في حالة اضطراب واسع النطاق، وإجماع وطني حول مطالب موجهة للعرش، لذلك، لا معنى لتنازل الحسن الثاني عن العرش كحادثة تاريخية، لأنها كانت مناورة فقط.
وبعيدا عن نقل تفاصيل تقرير دقيق، فإن الجيش تحول إلى “درع الحسن الثاني ومنظاره الذي يراقب عبره أصغر القضايا”، وإن اضطرابا واسعا هو الذي يدفع القوات المسلحة للتحرك، وتشرف الشرطة والدرك على إبقاء التوتر في مستويات قابلة للإدارة، علما بأن قدرة القصر أصبحت أقوى، لأن حرب الصحراء صناعة حربية خالصة للملك الحسن الثاني، ولا يمكن للجنرالات الذين معه في القيادة، إدارة مخارج سياسية من أجل إبقاء واستمرار الوضع المتقدم للجدار الدفاعي في الصحراء.
وتبقى الانتقادات في المغرب موجهة إلى السياسة الاقتصادية المتبعة، وحماية فئة من الرأسماليين، ورفض قتل المئات من المواطنين واعتقال ألف متظاهر في الدار البيضاء عام 1981، كما تؤكد الوثيقة الأمريكية.
وتتخوف المخابرات الأمريكية من الشباب، ولذلك، جاء التجنيد الإجباري، لمزيد من توسيع الانضباط، وأيضا من الإسلاميين، وسمحت السلطات بتفكيك ما سمي الخلايا، لإبعاد هذا الخطر.
ويتواصل حصار هاتين البؤرتين من طرف المخابرات الأمريكية، والمحلية بشقها الخارجي والداخلي، قبل أن يقرر النظام مواصلة زحفه الأمني على باقي البؤر.
إن الملك الراحل أدرك امتيازه بإنشاء الجدار الدفاعي في الصحراء ووقف إطلاق النار كقيمتين عسكريتين لقيادته، ومن غير المنطقي توقيع الجنرال الدليمي على وقف إطلاق النار، فعزل، وتحدد “السي. آي. إي” سبعة أسباب اجتمعت حول الدليمي، فألغته.
ولا يزال المغرب لم يخرج من عنق الزجاجة بفعل “احتمال الثورة الاجتماعية” بالحرف، كما ننقل عن الأمريكيين، واحتجت مدن كبرى قبل أن تنتقل إلى المدن المتوسطة في الفترة الأخيرة، ولذلك، فإن الثورة الاجتماعية هي الخطر الوحيد والحقيقي للعرش، وأي فوضى ستغير المعادلة الحالية، وأن تحذير “السي. آي. إي” له جذور وله حسابات سياسية واقتصادية كما في حالة المملكة.
ليس هناك طرف سياسي يمكن أن ينتصر على العرش، ويدير الملك كل المخاطر المتوقعة بكثير من الحزم الذي سبب في صعوبات أخرى، متناسلة عن الوضع الجديد الذي ينبئ بانشطار الثورة الاجتماعية، وهي وإن كانت مهمة للأمن، في التفكيك تحديدا، فإنها تؤكد أن “الثورة الاجتماعية أكثر ما تخافه السي. آي. إي في المغرب”.
+ لا يمكن لليساريين والإسلاميين الوصول إلى السلطة الحقيقية بدون دعم الجيش
من المحقق ألا بديل خارج الملكية، لأن الجيش يدعم العرش، ولا تمكين لأي فصيل سياسي دون دعم الجيش، فالمسألة محسومة في المغرب.
وصارت خلاصة “السي. آي. إي” أكثر صرامة، بالقول أن الجيش وديناميته من الضباط الشباب، هو القادر على تمكين أي فصيل أو توجه أو رجل سياسة لقيادة المملكة.
ويقف الجيش حاليا ضد اليساريين والإسلاميين على حد سواء، ويرى التقرير أن سياسات الاعتدال ما بعد الحسن الثاني، تأتي من تحالف سيدي محمد والضباط الشباب في القوات المسلحة الملكية، ولذلك، التحقت الشرطة وباقي الأجهزة بهذا التحالف الضروري، متجاوزة أثار المنافسة بين الأجهزة في الدولة.
ومر المغرب من مرحلة انتقالية طويلة الأمد، سمحت بتعقيدات على صعيد توزيع الثروة والسلطة، إذ لا تزال المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مهيمنة على المشهد، وهي إلى الآن تحديات دائمة للعرش، في ظل مؤسسات هي شبه حكومات في البلد، فهناك “حكومة وزارة المالية” و”حكومة المكتب الشريف للفوسفاط”.
وهذه الحكومات الموروثة عن الحسن الثاني، تعزز من القيادة والاحتياط الاستراتيجيين للقوات المسلحة الملكية، وهو ما كان منذ ثمانينات القرن الماضي مع سيدي محمد.
ويمكن في أي لحظة قيادة نظام فعال لإصلاح اقتصادي شامل يقوده الملك بدعم من القوات المسلحة، من خلال تكنوقراط كفؤ ومحترف ومحترم، أي ليست له سوابق.
واختارت مرحلة الملك محمد السادس الحكم مع اليساريين بدعم من الجيش، فاستهلكت السلطة كل الفرقاء السياسيين، بمن فيهم التكنوقراط مع إدريس جطو، لتصل إلى خلاصة، مفادها أن المربع الحاكم في المملكة يدور بين القوات المسلحة والتكنوقراط واليسار والإسلاميين، ينسق بينهم العرش، وليس هناك أي تنسيق يجمع أي طرفين من هذا المربع، فلا تنسيق بين الجيش وأي طرف ثان، وليس هناك تنسيق إسلامي ـ يساري، أو تنسيق بين التكنوقراط وباقي الأضلاع.
ولاتزال نفس المقدمات التي طرحتها “السي. آي. إي” لانتقال العرش قائمة بنفس ثمانينات القرن الماضي، حيث جاءت خلاصات المخابرات الأمريكية كالآتي:
أ) أن سيدي محمد سيكون موقفه في الصحراء أكثر تشددا من أبيه، وقد يكون التشدد دون المواجهة العسكرية جزء من هذه الاستراتيجية.
ب) يمكن أن يكون سيدي محمد وريثا للحسن الثاني في الاعتدال إلا في هذا الملف.
ت) المزيد من الضغط، كي تأتي إرادة الوصول إلى الصفقة.
وأصبح مشكل الصحراء عاما وأساسيا، يزيد من إدارة الضغوط فيه موقف القوات المسلحة الملكية من هذه القضية، وبناء عليه، فإن عزل هذه القضية عن العلاقات الثنائية المغربية ـ الجزائرية والليبية ـ المغربية، جزء من هذه السياسة، وبالتالي، فقياس القدرة على تجاوز الستاتيكو لا يتطلب الجرأة فقط، بل الإرادة التي يرتكن إليها القصر، وتعمل المخابرات الأمريكية على مؤشرات تؤسس لقراءتها من عدة زوايا:
1) القدرة على رسم مستقبل العرش.
2) ضبط علاقات القصر مع سائر المؤسسات.
3) استقصاء المواقف.
وتأطيرا لهذه الأبعاد المتشابكة، اتجهت السياسة المغربية نحو إفريقيا، وصار مهما التأكيد على الشراكة الاستراتيجية مع روسيا خليفة الاتحاد السوفياتي، والصين، ودول أخرى، وعلى هذا القدر من الجدية، يهندس سيدي محمد حركته على علاقاته مع فرنسا وإسبانيا.
وعزز الملك محمد السادس فعلا الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة، والشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، وسيكون من الطبيعي التوقيع على اتفاق للتجارة الحرة وتمتيع نظام سيدي محمد بنظام جوي لطائرت “ف 16″، وهذه الإجراءات تدخل في المزيد من الضغط على البوليساريو.
وقد تحالف سيدي محمد مع الاتحاد الاشتراكي، الذي رفض الاستفتاء في الصحراء، وبعده مع الإسلاميين الذين يرفضون مساسهم بالسيادة المغربية قدر رفضهم للغرب.
وقد ربح القصر، وربحت أمريكا مع الملك، عدم المساس بالعلاقات الأمريكية ـ المغربية التي أصبحت إحدى الثوابت عند اليسار المغربي والإسلاميين المغاربة على حد سواء.
ويرتكز الاعتدال في مرحلة ما بعد الحسن الثاني، على الحفاظ على الشراكة الاقتصادية والعسكرية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وما عداها صوري إلى حد بعيد، من جهة ثانية، فإن مشكلة الصحراء تعد عائقا رئيسيا للوصول إلى هدفين على الأقل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية: الاستقرار الإقليمي، وعدم تقدم العلاقات مع الجزائر، وعولجتا بوقف إطلاق النار وإعلان واشنطن حوارا استراتيجيا مع الجزائر بنفس ثقل وإيقاع ما عليه الحال مع العاصمة الرباط.
وحاولت واشنطن الدفاع عن كافة المصالح والأهداف الأمريكية في مرحلة ما بعد الحسن الثاني داخل المغرب وفي الإقليم، وفي الصفحة التاسعة من التقرير، يتأكد أن انفتاح المغرب على منطقة جنوب الصحراء والقارة الإفريقية، هو جزء لا يتجزأ من رؤية الدور المغربي ما بعد الحسن الثاني، ولذلك، فالملك في المغرب لا يزال، على المدى القصير، هو المتحكم في النظام السياسي المغربي عبر تقنياته المجربة، وهناك جرد لهذه المناورات في عهد الحسن الثاني تبدأ من سياسة “فرق تسد” و”الاحتواء” و”محاولة التحكم في المعارضة”، لأن المغرب يعاني من مشاكل حقة اجتماعية واقتصادية وسياسية، في ظل قضية لا تنتهي (الصحراء).
وساد، في هذا الظرف بشكل واسع، بحث الحسن الثاني عن استدامة الأمن الداخلي، لأن بقاء الحسن الثاني هو بقاء الملكية وإن لم تتحقق مطالب الشعب، وبعد وفاته، تواصل عدم تحقيق التنمية المطلوبة، في فصل تام عن تأثير هذا النقص على صورة الملكية.
وهذه الاستراتيجية ليست فعالة على المدى المتوسط، لأن أي نظام جديد لابد أن يزيد من مستوى اللبرلة واللاتمركز للإدارة والسلطة، لأن إشراف النظام على تبعية المؤسسات للملك يذهب أبعد، فيما يجب المزيد من الدمقرطة في إطار الحرية السياسية.
وقد اقترحت “السي. آي. إي” سلطة ذاتية في الصحراء لمستقبل المغرب، وهو إجراء يخدم دمقرطة المملكة، كما تقر دوائر القرار، لكن المؤسسة الأمنية الجديدة تنازع خلاصات المخابرات الأمريكية.
لقد مكن الحسن الثاني ابنه سيدي محمد من نفس مربعات القوة، وتسير الأمور بسرعة أكبر، إذ لاحظنا الخطوات التي قررتها المخابرات الامريكية لـ”تأمين انتقال العرش”، لأن تمكين الملكية عبر الجيش مسألة محسوم فيها، من واقع أن الأمن الداخلي هو من يدير المملكة ما بعد الحسن الثاني، وأن سلطاته ونفوذه تقوى بشكل واسع، فالمسألة مؤطرة بأمرين: لا تحديات أمام العرش سوى الحراكات الاجتماعية، ولا بد من تقوية أجهزة الأمن الداخلي كي لا تصل هذه الحراكات إلى اضطرابات، وتعدد الشراكات، رغم صوريتها، فهي جزء من المناورة الخارجية التي تخدم موقف “الستاتيكو” في قضية الصحراء.
ولا يمكن للمغرب أن يحتوي تحركين: مواجهة في الصحراء ومواجهة ضد المطالب التنموية، وبالتالي، سيكون من مخارج اللعبة في المغرب، فصل التقصير الحكومي عن القصر، مع التحكم في الأحزاب والقرار السياسي، وهذه القدرة ممكنة مستقبلا، لأن المغرب متأخر عما كان مطلوبا منه في ثمانينات القرن الماضي، ولذلك، فالغرب يعرف أن إدارة الأزمة المستدامة بشكل مستدام، تقنية لن تكون ناجعة في المستقبل القريب.
هوامش:
1- information available as of 2 August 1982 has been used in the preparation of report morocco’s, the succession issue aproved for release 2/10/2008: CIA-RDF83S00854R 0001001 40002 -9, ssecret, NESA 82 – 1049, August 1982, copy 350.
2- (a fundamentalit revolutionary regime in the least likly government to come to power after Hassan dies, al thought the extremist religious groups would challenge the legitimacy of Sidi Mohammed, they lack a strong charismatic leader and are not sufficently well organized to make a succesful bid of power), p: I.
3- (the concept of nule by divine right pervardes Moroccan society and is often used to buztress his legitimacy).
4- (the puplis work hard and are in class almost all day).
5- (Dlimi, he has suggested on several occasions that he probably would retire if Hassan were no longer king).



