الحقيقة الضائعة | سقوط أسطورة إيليغ
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 184"

تلبية لطلب قراء “الأسبوع” الأوفياء، المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” الذين يطالبوننا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا.. يستمر طاقم الجريدة في تقديم جزء مما تركه الراحل من مؤلفات تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، والذي نشرنا الأجزاء الثلاثة منه المتضمنة لأهم الأحداث التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، ثم مراحل الاحتلال.. نواصل تقديم الجزء الرابع: “الحرب المغربية- الفرنسية- الإسبانية (1906-1936)” الذي يحمل تفاصيل المقاومة المغربية ضد الاحتلال، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

كانت إيليغ بقيادة حفيد بودميعة قد وقفت موقفا منقسما من حركة أبناء ماء العينين، كما يقول المؤرخ محمد المختار السوسي، وهو نفسه الذي يروي أن الزعيم الهيبة بعد أن تعب من الحرب، استقر بسوس في بيت القائد سعيد بن المقدم، في بيته بكردوس، حتى توفي في 18 رمضان 1337هـ/ 1918م.
ولهذا بقي الأخوان المجاهدان المربيه ربو والنعمة على رأس الجهاد بعده، كما تؤكد بيانات المؤرخ السوسي، أن الزعيم الهيبة كان في كردوس إلى يوم مماته، أي أن الفرنسيين لم يدخلوها.
لقد أحاطت القوات الفرنسية، تحت قيادة الجنرال كاترو، بجميع جنبات إيليغ، من بويزاكارن إلى تزنيت إلى زاوية سيدي موسى، وكان الانقسام وسط أقطاب سوس وكان الانتصار للفرنسيين.
وكان سقوط مركز كردوس في 12 مارس 1934، حيث سلمت قبائل إيداو باعقيل أسلحتها يوم 15 مارس.
وكان سقوط أسطورة إيليغ واستسلام زعيمها حفيد بودميعة، علي بن محمد بن الحسين، بطريقة مشينة، يصفها المؤرخ المختار السوسي في كتابه “إيليغ” بقوله: ((حرم الحرية في تازروالت حتى في أبناء عمه، وطلع الاحتلال في أواخر سنة 1352 هجرية – سنتين قبل 1934 ميلادية – فكان أول مبادر للترحيب بالحالة الجديدة، فنال الأمن في نفسه وأهله، واستراح من تلك المجاذبات العنيفة)).. فيا للإهانة.. ويا للمسخ.
لقد كان انتصارا فرنسيا كبيرا ذا أبعاد سياسية متناهية.. جعلت المقيم العام الجديد لفرنسا بالمغرب، بونسو، يأتي شخصيا إلى بويزاكارن ليستعرض الجيوش الفرنسية يوم 18 مارس 1934.
لكن روح الجهاد عند قبائل أيت صواب أبَتْ إلا أن تغسل العار، فاستمرت في الجهاد إلى سنة 1936، وكانت تقوم بأعمال فدائية مثل هجومها على الثكنات الفرنسية.. وهكذا نجدها تخوض معركة يوم 20 مارس 1936 داخل المركز الفرنسي في أيت باها، قتل فيها عدد من الفرنسيين، ولكن حربهم بقيت مستمرة، ورفضهم للفرنسيين أذابته التقارير الفرنسية في غياهب ما تسميه “متابعة الثوار إلى ما لا نهاية”.. ذلك أن الفرنسيين كانوا يتابعون المجاهدين في كل جنبات سوس، ولكنهم كانوا دائما يدفنون معاركهم في عبارات ((متابعة الثوار الذين لم ينتهوا)).
لقد سبق لهم أن استخدموا نفس العبارة في منطقة أخرى كانت عبارة عما يسمى “طريق الموت” بين إغرم وأقا، حيث جاءت الطائرات ابتداء من سنة 1932 لقنبلة المناطق وإفناء الأحياء من السكان، فقالوا: ((لقد انتهى كل شيء)).
لقد كانوا لا يجرؤون على مواجهة قبائل أيت أوسى وقبائل عريب الركيبات، ولكن عندما جاءت مشاتهم ودباباتهم لاحتلال المناطق المحروقة، وجدوا أن المجاهدين لا زالوا هناك، حيث حصلت معركة 23 شتنبر 1931 على طريق أقا وقتل لهم خمسة عشر عسكريا وجرح عدد لا يحصى، باعتراف المحاضر الفرنسية، وقالوا: ((لقد هرب الثوار ولا زلنا نتعقبهم لغاية سنة 1932)).
وهناك أيضا كانت قوات المربيه ربو – مثلما كانت في المناطق التي ذكرناها سابقا – هناك أيضا سنة 1932، وفي 7 يوليوز تكبد الفرنسيون خسائر فادحة لم يذكروا عنها إلا أنها كانت فادحة.
هناك أيضا على طريق الموت بين أقا وإغرم، حصلت معركة كبرى يوم 9 يوليوز 1932 في نقطة تاماروت قرب جبل إيدا وبهلول قتل فيها اثنا عشر جنديا فرنسيا.
وهناك أيضا، وفي 28 نونبر 1932، حصلت معركة من أكبر المعارك في حاسي الكرمة، قتل فيها ثلاثة وعشرون جنديا فرنسيا وجرح 18، والأرقام دائما من الوثائق الفرنسية.
لقد عدنا لسنة 1932، لنذكر بمنطقة إغرم وأقا، التي قال الفرنسيون عنها سنة 1928 أنها استسلمت وأن الطائرات صفت حسابها.
ولكننا نعود إلى سنة 1934، وفي نفس المنطقة، لنلتقي بالجيوش الفرنسية وقد اتسعت عليها رقعة الجهاد وامتدت من سوس إلى تندوف، وكانت تابعة للإدارة المغربية، وكانت جيوش شنقيطية، تعزز قوات المربيه ربو، تضرب الفرنسيين في تندوف، فأحضرت القوات الفرنسية خبيرا في شؤون الجيوش الشنقيطية، هو الكولونيل ترانكي، الذي جاء بطلب من الجنرال جيرو، حاكم المنطقة العسكرية شرق سوس، وكانت تندوف تابعة لها، وكلف ترانكي باحتلال جبل تازلافت، الذي كان في أيدي المجاهدين.
وهناك كانت معركة ترانكي الأولى في هذه المنطقة، في 28 فبراير 1934، قتل له فيها ثمانية عشر جنديا وجرح خمسة وعشرون، ولكن قبائل أيت خباش دخلت المعركة، وبذلك ظهرت فكرة الجهاد الواسع الممتد من شرق الجنوب إلى غربه، فأخذت الحرب أبعادا كبيرة حتى ولّت إلى الحمادة في معارك استمرت من مارس إلى أبريل 1934، وتوسعت إلى مركالة، واتجهت قوات ترانكي في فجر 31 مارس لإحاطة مركز تندوف بالمدافع، وكانت في قبضة المجاهدين، واحتل ترانكي البرج المطل على تندوف، وتوجهت قوات أخرى بقيادة الكولونيل شاردون، لمحاولة احتلال أطراف تندوف في إيكما وفي زكيلمة، حيث استمرت المعارك إلى 2 أبريل 1934 وتوسعت إلى مراكز الكردان..
واستمرت المعارك حول تندوف عدة شهور دون أن يتزحزح عنها المجاهدون إلى أن جاءت قوات فرنسية من الساورة، مرت عبر فم زكيد لتشتبك يوم 2 يوليوز 1935 مع المجاهدين في معركة قالت الوثائق الفرنسية، أنها دامت سبع ساعات قتل فيها ثلاثة جنود فرنسيين.. ولا زال المجاهدون المغاربة متحصنين في تندوف بعد يوليوز 1935، ولم تذكر الوثائق الفرنسية متى دخل الفرنسيون تندوف في هذه الفترة الحاسمة من تاريخ المغرب.
ولكن هذا الفصل الهام من تاريخ الجهاد المغربي لا ينكر إطلاقا أن تندوف كانت آخر منطقة مغربية يدخلها الاحتلال الفرنسي، لِيُلْحِقَها فيما بعد بمنطقة سوس. فهل يذكر هذه الجزئيات أولئك الذين حولوا تندوف إلى منطقة لتمركز القوات التي تضرب المغرب؟ وهل يشرف الجزائريين اليوم أن يذكر الفرنسيون في وثائقهم العسكرية، أن تندوف كانت آخر معقل دخله الفرنسيون بعد سنة 1935 على جثث الشهداء من أيت خباش وأيت حمو، الذين استمروا في دفع الجيش الفرنسي عن مدينة تندوف في حرب استمرت من سنة 1906 إلى سنة 1935 ؟
السؤال فقط للتذكير وليس للتعليق.



