الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | بين أيت باعمران وتزنيت وتندوف..

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 183"

تلبية لطلب قراء “الأسبوع” الأوفياء، المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” الذين يطالبوننا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا.. يستمر طاقم الجريدة في تقديم جزء مما تركه الراحل من مؤلفات تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، والذي نشرنا الأجزاء الثلاثة منه المتضمنة لأهم الأحداث التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، ثم مراحل الاحتلال.. نواصل تقديم الجزء الرابع: “الحرب المغربية- الفرنسية- الإسبانية (1906-1936)” الذي يحمل تفاصيل المقاومة المغربية ضد الاحتلال، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى العلوي
بقلم: مصطفى العلوي

في 6 أبريل 1934، حلت بميناء إفني باخرة إسبانية على ظهرها الكولونيل كاياص، على رأس فرقة من الجنود والمدنيين، وحاول إقناع أيت باعمران بأن هذه المنطقة وبمقتضى “اتفاقية تطوان” لسنة 1859، تعتبر من ممتلكات إسبانيا، فرفضوا ذلك، ورفضوا التعامل مع إسبانيا والتسليم بوجودها في أرضهم إلا بمقتضى اتفاقية جديدة يعقدونها ويتولون إمضاءها بأنفسهم، ولما لمس إصرارهم، طلب مهلة أسبوعين لمراجعة مدريد وعرض اقتراحهم للموافقة، على أن يلتزموا بأمنه وسلامته طيلة فترة الانتظار، ففعلوا.

تتمة المقال تحت الإعلان

وجاء الرد بالموافقة من مدريد، فدخلوا مباشرة معه في مفاوضات من أجل اتفاقية جديدة، وخلال بضعة أيام، توصلوا إلى الاتفاق معه حول شروط والتزامات معينة، صيغت في وثيقة مكتوبة أمضاها كاياص من جهة، كما أمضاها الباعمرانيون من جهتهم، ودون أن نتمكن حتى الآن من الحصول على النص الرسمي لهذه الوثيقة الهامة، فإن الذين حضروا الواقعة أو عايشوها يؤكدون أن فحواها يتركز في المضامين والشروط التالية:

تتمة المقال تحت الإعلان

– أولا: تلتزم إسبانيا بالدفاع عن أيت باعمران وحمايتهم سكانا وأرضا، من أي غزو أجنبي كيفما كان، وخاصة فرنسا، وتأمينهم في أنفسهم وممتلكاتهم؛

– ثانيا: تلتزم إسبانيا بأن لا تتدخل بوجه من الوجوه في شؤونهم الداخلية، وفي مقدمتها الشؤون الدينية، وأن تحترم عوائدهم وتقاليدهم الوطنية الخاصة؛

– ثالثا: أن تعمل إسبانيا بالأحكام الشرعية دون العرفية وتحترم كرامتهم وشعورهم؛

– رابعا: تلتزم إسبانيا بإعفاء المواطنين من الضرائب والخدمات الإجبارية احتراما لكرامتهم وحقوقهم؛

– خامسا: وفي مقابل ذلك، يلتزم سكان أيت باعمران بتواجد دولة إسبانيا وقواتها فوق أراضيهم، والتسليم بهذا التواجد من أجل الحماية والتعاون والتعامل الاقتصادي، ما دام هذا الوجود محترما للشروط والالتزامات السابقة.

من موقع الكرامة والغيرة على الوطن والشريعة

هناك أمران بارزان في هذه الاتفاقية يضيفان عليها أهمية ومعنى بالغين:

– أولهما: أنها اتفاقية ثنائية تمت بين طرفين لكل منهما كيانه ووجوده المستقل عن الآخر؛ فالباعمرانيون عقدوا اتفاقيتهم من هذا المنطلق، واستطاعوا بفضل الهيبة التي فرضوها على المستعمرين بمقاومتهم، سواء منها الدولية أو الثنائية التي عقدت بين المغرب الرسمي وكل من فرنسا وإسبانيا، وأن يكون الوجود الإسباني في أراضيهم، بمقتضى هذه الاتفاقية، حماية قانونية مشروطة، وليس مجرد احتلال عاري بصفة اعتباطية دون قبول شروط من السكان، والعملية بهذه الصفة، ظاهرة سياسية فريدة لها أكثر من معنى.

ثانيهما: أن الشروط التي فرضها الباعمرانيون وقبلها الإسبانيون في نهاية الأمر والتزموا بها، تدل في مجملها على مستوى عال من الذكاء السياسي والوعي الوطني والنضج الفكري، إذ ترمي كلها إلى الاحتفاظ المصمم على المقومات والخصائص الوطنية للمجتمع الباعمراني، وقبل ذلك، وقصد الكرامة الوطنية والحقوق الإسبانية لعموم السكان، ورد كل ذلك بنصوص قوية واضحة في منتهى الصراحة والوضوح، ووقع الإلحاح والتنصيص بصفة خاصة على وجوب احترام الشريعة الإسلامية، ووجوب نفوذ أحكامها في شؤون القضاء والمعاملات، وعلى رفض كل الأحكام العرفية بأي صفة كانت، وعلى احترام كرامة السكان وإعفائهم من الضرائب والخدمات الإجبارية التي هي ركيزة الوجود الاستعماري.

ومنذ 6 أبريل 1934/1353هـ، وبإمضاء الاتفاقية المذكورة بين الطرفين، وضع النفوذ أو الحكم الإسباني أقدامه على المنطقة وتمركز بإدارته وبجيشه في إفني، وقَبِل الباعمرانيون بهذا الواقع لأنه ليس في إمكانهم أحسن منه، والواقع أنه مرت فترة من الوقت، أكثر من اثْنَى عشر عاما، كان فيها كل جانب يلتزم بالاتفاقية ويحترم حدودها ونصوصها، ونَعِم الباعمرانيون أثناءها فعلا بالطمأنينة والراحة لم تمسهم السلطات الإسبانية بسوء، ولم تمتد إليهم لا بجبايات ولا ضرائب.. حتى كان كثير من سكان القبائل المجاورة يغبطونهم على وضعهم المريح، هذا إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية وبالذات إلى سنة 1947، حيث أدى إخلال الإسبانيين ببعض فصول الاتفاقية وتراجعهم عن التزامهم باحترام دينهم وكرامتهم الوطنية، فقامت انتفاضة شعبية جديدة ضد الاستعمار الإسباني (الحبيب الفرقاني في جريدة المحرر/ 11 دجنبر 1979).

المربيه ربو.. من تزنيت إلى تندوف

لقد كان الفرنسيون متفائلين جدا سنة 1921 بعد احتلالهم لتزنيت، ولكن لتزنيت تاريخ كبير مع الفرنسيين؛ فقد كانت المعارك عمليا مستمرة حول تزنيت من سنة 1917 إلى سنة 1933، وكانت قبائل أيت باعمران وأيت إبراهيم وأيت الساهل لا تعرف شيئا اسمه مهادنة الفرنسيين، وأخذت الطائرات تدخل المعارك بطريقتها المعهودة، فقصفت قرية كردوس التي كانت بها احتفالات الثوار، فهدموها، ولكن القبائل الصحراوية لم تتوقف عن هجماتها واستمرت الحرب – حسب الوثائق الفرنسية – في ناحية تزنيت من سنة 1917 إلى سنة 1921، حيث أوهمهم القائد الإقطاعي الطيب الكندافي، بأنه أصبح سيد الموقف، فبدأ الضباط الفرنسيون يتهافتون على سوس لإقامة مراكز جديدة، فكانت قبائل أيت وادريم تخوض معهم معارك كبرى، كمعركة 28 فبراير 1928، التي انتهت بطرد الفرنسيين من قصبة أيت يفوس، وقتل في معركة أخرى حول القصبة يوم 8 مايو 1928، ثلاثة جنود فرنسيين، حسب الإحصائيات الفرنسية.

وفي 17 أكتوبر 1929، كان زعيم المجاهدين المربيه ربو قد نظم صفوفه وهاجم الفرنسيين في أيت باها وطردهم من جنباتها.

وحاول الفرنسيون بجميع الوسائل محاصرة الزعيم الصحراوي المربيه ربو، الذي كان يقاسمهم النفوذ على الأقاليم السوسية، فانكبوا على مدى ست سنوات يحاولون مصالحة القبائل وإغراءها بالأموال، لكن المربيه ربو كان طوال هذه المدة يحاربهم في معارك سكت الفرنسيون عنها.

لماذا سكتوا عنها ست سنوات، ليعودوا للحديث عنها سنة 1934؟ فهل كان نائما ست سنوات ؟

إن الوثائق الفرنسية تعترف عن الوضعية في هذه السنة بما يلي: ((كنا نتصالح مع القبائل سنة 1934، حيث أصبح الوضع مستقرا في تامانارت، ولكن الجبال كانت بيد المربيه ربو، الداعي إلى المقاومة)).

ولقد فشل الفرنسيون في شراء ضمائر كل زعماء القبائل – باعترافهم – وبقيت قبائل أيت خباش، وأيت حمو في غرب الأطلس وشمال سوس، تدعو إلى الجهاد وتسند قبائل الاخصاص في جهادها لوقف كل تقدم فرنسي.

وجاء الجنرال هوري في فبراير 1934 بقوات كبرى لمحاولة القضاء على المجاهدين، ووصلت فرق أخرى بقيادة الجنرال كاترو، فاستقر قرب تزنيت، وتوجه الجنرال هوري لمهاجمة قبائل أيت أحمد وأيت صواب، واستطاع في 2 فبراير 1934 فقط انتزاع مناطق أيت باها من أيدي الثوار.

وتجمعت قوات الجنرال كاترو المكونة من 19 فرقة ومن فيلق للسينغاليين و4 فيالق من الجزائريين، وفرق للمدفعية وللمصفحات وشاحنات الرشاشات، ليحاول انتزاع تزنيت من أيدي قوات المربيه ربو، ودامت المعارك يوم 20 فبراير، حيث قدر عدد المجاهدين المحتلين لتزنيت بـ 2200 محارب المهيمنين على جبل أزغار، واندحرت قوات الجنرال كاترو.

وفي يوم 22 فبراير، استدعى الجنرال كاترو نجدات جديدة جاءت من أكادير وبوعدنان وإيدع، وأضاف قوات أخرى بقيادة الكولونيل تيكسي والكولونيل بلان والكولونيل لوكران، لكن قوات هائلة من أيت حمو جاءت لنصرة المجاهدين في تزنيت، وكان الاشتباك الكبير يوم 23 فبراير، وقتل فيه، حسب إحصاء الفرنسيين، ستة جنود من جيشهم، كما قتل ضابط جزائري هو الليوتنان محمد بن الحسين، والليوتنان الفرنسي بوتي، وتفادى الفرنسيون استمرار الاشتباك وعوضوه بالقصف المدفعي ليلا ونهارا كما تقول الوثائق الفرنسية.

وتوجهت القوات الفرنسية كلها نحو الشمال في اتجاه بويزاكارن، ولم تكن إلا خدعة؛ فقد عادت قوات الجنرال كاترو لمفاجأة المجاهدين.

ولكن المعارك لم تتوقف، ولم يعلن عن قتلاها، وإنما أعلن أن مفاوضات لإيقاف إطلاق النار جرت بين المجاهدين والقوات الفرنسية بواسطة ضابط إسباني عرض وساطته.

ولم يحترم الفرنسيون اتفاقهم لإيقاف الحرب مع أيت باعمران، فتسللت قوات بقيادة الكولونيل روشاس لمحاولة الهجوم بعيدا على مراكز إيليغ. إيليغ التي كانت مهد الكيان السوسي، ومركز مجد العائلة الكبيرة بودميعة منذ أيام السعديين إلى تلك الفترة التي أراد الفرنسيون احتلالها.

وكانت إيليغ بقيادة حفيد بودميعة قد وقفت موقفا منقسما من حركة أبناء ماء العينين، كما يقول المؤرخ محمد المختار السوسي، وهو نفسه الذي يروي أن الزعيم الهيبة بعد أن تعب من الحرب، استقر بسوس في بيت القائد سعيد بن المقدم، في بيته بكردوس، حتى توفي في 18 رمضان 1337هـ/ 1918م.

ولهذا بقي الأخوان المجاهدان المربيه ربو والنعمة على رأس الجهاد بعده، كما تؤكد بيانات المؤرخ السوسي، أن الزعيم الهيبة كان في كردوس إلى يوم مماته، أي أن الفرنسيين لم يدخلوها.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى