المنبر الحر | بعد الانتخابات التشريعية.. حكومة قوية ومعارضة يقظة من أجل مغرب المستقبل


انتهى الاقتراع، وأعلنت النتائج، وأصبح المشهد السياسي المغربي أمام مرحلة جديدة لا ينبغي أن تُختزل في توزيع المناصب والحقائب، ولا في حسابات الأغلبية والمعارضة وحدها، وإنما في سؤال جوهري يهم المواطن والوطن معا: ماذا بعد الانتخابات؟ لأن المرحلة المقبلة أهم من الحملة الانتخابية نفسها: مرحلة العمل والإنجاز والمساءلة.
فالمغرب اليوم في حاجة إلى حكومة تستمد قوتها ليس فقط من عدد المقاعد التي تتوفر عليها داخل البرلمان، وإنما من الانسجام والكفاءة والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ البرامج ومحاسبة المسؤولين عن نتائجها.
ومن الطبيعي، بعد إعلان النتائج النهائية، أن تتجه الأحزاب المتصدرة للمشهد إلى التفاوض بشأن الأغلبية الحكومية، لكن الأهم أن يكون معيار الاختيار هو البرنامج والكفاءة والقدرة على خدمة الصالح العام، لا مجرد الحسابات الحزبية الضيقة، فالمواطن لا ينتظر حكومة جديدة تحمل أسماء جديدة فقط، وإنما ينتظر أجوبة واضحة عن الصحة والتعليم والشغل وغلاء المعيشة والاستثمار والسكن والنقل والتنمية القروية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، لذلك فالحكومة المقبلة مطالبة بأن تكون حكومة عمل ونتائج، وأن تقدم للمغاربة برنامجا واضحا يمكن قياسه ومراجعته ومساءلة المسؤولين عنه.
وفي المقابل، فإن وجود معارضة قوية ومسؤولة ليس عائقا أمام الحكومة، بل هو عنصر أساسي في الحياة الديمقراطية، والمعارضة المطلوبة ليست معارضة الصراخ أو التشكيك في كل شيء، كما أنها ليست معارضة الصمت أو انتظار التعثر، وإنما معارضة تراقب، تسائل، تقترح البدائل، تكشف مكامن الخلل، تدافع عن مصالح المواطنين، تدعم ما تراه صالحا للبلاد، وتنتقد ما يستحق النقد بالحجة والوثيقة. هنا يمكن أن يصبح الصراع السياسي إيجابيا بين البرامج والأفكار والإنجازات، لا صراعا شخصيا بين الأشخاص والأحزاب.
فإذا كانت الحكومة مطالبة بأن تثبت نجاحها بالعمل، فإن المعارضة مطالبة بأن تثبت حضورها بالرقابة والاقتراح، وعندما يتنافس الطرفان في خدمة المواطن، تصبح المنافسة السياسية مكسبا للوطن.
إن الديمقراطية الحقيقية لا تعني أن يفوز حزب أو تحالف مرة واحدة ثم يعتبر الحكم حقا دائما، كما لا تعني أن تعارض أحزاب أخرى لمجرد المعارضة، فالديمقراطية تعني أن تكون هناك قواعد واضحة، ومؤسسات قوية، وانتخابات نزيهة، وبرامج قابلة للمقارنة، ومحاسبة مستمرة، ثم يقرر المواطن في الاستحقاق التالي من يستحق الاستمرار ومن يستحق أن يفسح المجال لغيره.
وهكذا يصبح التناوب السياسي نتيجة طبيعية للأداء والاختيار الشعبي، لا نتيجة للمناورات أو الصراعات الشخصية. ومن هنا تأتي أهمية أن تقدم كل حكومة حصيلتها بوضوح، وأن تعرض المعارضة بدائلها بصدق، وأن يظل المواطن هو الحكم في نهاية المطاف.
وتزداد أهمية هذه المرحلة لأن المغرب مقبل على ورش عالمي كبير يتمثل في استضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وقد أكدت المعطيات أن الاستعدادات لا تقتصر على الملاعب، بل تشمل البنيات التحتية، والمطارات، والطرق، والنقل، والفنادق، والخدمات الطبية، والاتصالات، والتكوين وتأهيل الشباب، وهذا يعني أن مونديال 2030 ينبغي أن يكون مناسبة لبناء إرث تنموي دائم، وليس مجرد مناسبة رياضية تنتهي بانتهاء المباريات.
فالملاعب ستبقى، والطرق ستبقى، والفنادق ستبقى، والمطارات والمستشفيات ومراكز التكوين والبنيات الرقمية ستبقى، ولذلك ينبغي أن تكون هذه الاستثمارات جزءً من رؤية وطنية بعيدة المدى تجعل المواطن المغربي أول المستفيدين منها، وهنا تبرز مسؤولية الحكومة المقبلة والمعارضة والبرلمان والقطاع الخاص والمجتمع المدني معا في تحويل هذه الفرصة إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
كما لا يمكن أن يكون المغرب قويا في واجهته الخارجية إذا لم يكن قويا في خدماته الأساسية؛ فالطريق إلى مغرب أكثر تنافسية يمر عبر مدرسة جيدة، وجامعة منتجة للمعرفة، ومستشفى يحفظ كرامة المواطن، وتكوين مهني يستجيب لحاجات سوق الشغل، وإدارة فعالة، واقتصاد قادر على خلق فرص العمل.
وتشير الأولويات الحكومية المعلنة، إلى استمرار التركيز على التعليم والصحة والتشغيل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وهي ملفات ستظل من أهم الاختبارات أمام المؤسسات المنتخبة، كما أن السياحة والصناعة والفلاحة والاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة واللوجستيك والاستثمار.. كلها مجالات يمكن أن تستفيد من الدينامية التي تخلقها الاستعدادات لكأس العالم، شريطة أن تتحول المشاريع إلى فرص مستدامة للشغل والإنتاج والثروة.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى استقبال الاستثمارات، وإنما إلى بناء اقتصاد يجعل من المغربي نفسه شريكا في صناعة الثروة.
نحتاج إلى تشجيع المقاولة الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل الاستثمار، ومحاربة التعقيد الإداري، وربط التعليم والتكوين بحاجات الاقتصاد، وتشجيع الابتكار، وفتح المجال أمام الشباب، ودعم الجهات والمناطق التي تحتاج إلى مزيد من التنمية، فالاقتصاد القوي ليس هو الذي يحقق أرقاما جيدة فقط، وإنما هو الذي يشعر المواطن بأثاره في حياته اليومية: عمل كريم، دخل محترم، تعليم جيد، علاج لائق، وخدمات عمومية فعالة، وأمل حقيقي في المستقبل.
لقد انتهت الانتخابات، لكن امتحان الأحزاب بدأ الآن؛ فقد أعطى الناخبون أصواتهم، وحان دور المنتخبين لكي يعطوا بدورهم العمل والإنجاز والمصداقية، لأن المغرب لا يحتاج لخصومة دائمة بين الحكومة والمعارضة، بل إلى تنافس شريف بين البرامج، ومباراة سياسية حقيقية في خدمة المواطن، ومعارضة قوية تراقب، وحكومة قوية تنجز، وبرلمان حي يناقش ويسائل، وإعلام مسؤول ينقل الحقيقة، ومجتمع مدني يقترح ويتابع.
وبين حكومة تثبت جدارتها بالإنجاز ومعارضة تثبت حضورها بالرقابة والبدائل.. يمكن أن تنشأ حياة سياسية أكثر نضجا، ويصبح التناوب نتيجة طبيعية لإرادة الناخبين.



