تواصل المقاولات | التكنولوجيا في خدمة الفصول الدراسية.. نحو بيئات تعليمية أكثر شمولا ومسؤولية

تواجه الأنظمة التعليمية في مختلف أنحاء العالم ضغوطاً متزايدة تفرض عليها إعادة النظر في طرق تنظيم وتجهيز الفصول الدراسية، خصوصاً مع بداية موسم دراسي جديد يتزامن مع ارتفاع أعداد المتعلمين، واستمرار التحديات المرتبطة بالبنيات التحتية، والحاجة إلى اعتماد أساليب أكثر ابتكاراً في التعليم والتعلم ، وفي ظل هذا التحول، أصبحت التكنولوجيا تحظى بدور متنامٍ في تطوير البيئة التعليمية، غير أن أثرها يظل رهيناً بمدى ملاءمة الاختيارات التكنولوجية لحاجيات المؤسسات التعليمية وكيفية توظيفها داخل الفصول الدراسية.
ويؤكد إيلياس عزّاوي، المدير العام لشركة Epson بإفريقيا الناطقة بالفرنسية، أن بناء بيئات تعليمية أكثر شمولاً وقدرة على الصمود لا يمكن أن يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب استثمارات استراتيجية في البنيات التحتية والابتكار، إلى جانب تعزيز التعاون بين السلطات العمومية والشركات والمؤسسات التعليمية والمجتمعات المحلية ، فهذه الخيارات، وإن بدت مرتبطة بالتدبير اليومي للمؤسسات، فإنها تؤثر على المدى البعيد في الطريقة التي يتعلم بها التلاميذ وفي قدرة الأنظمة التعليمية على الاستجابة للتحديات الاجتماعية والتربوية المتزايدة.
وتبرز مسألة الإنصاف والمسؤولية باعتبارها من أبرز القضايا المطروحة أمام قطاع التعليم في ظل التحول الرقمي. فعلى الرغم من الجهود المبذولة لتوسيع نطاق التعلم الرقمي، لا يزال الولوج إلى التكنولوجيا متفاوتاً بين المؤسسات والمجتمعات. ووفقاً لتقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم، فإن عدداً مهماً من مؤسسات التعليم الثانوي الإعدادي في العالم لا يتوفر بعد على اتصال موثوق بالإنترنت، الأمر الذي يحد من إمكانيات التعلم المتاحة أمام فئات واسعة من المتعلمين.
وتكشف هذه الفوارق عن الحاجة إلى اعتماد حلول تتعامل في الوقت نفسه مع تحديات البنية التحتية ومتطلبات الاستدامة على المدى الطويل، خصوصاً أن تطوير التعليم الرقمي لا يرتبط فقط بتوفير الأجهزة والاتصال، وإنما يستوجب أيضاً توفير بيئة مؤسساتية وتقنية قادرة على ضمان استمرارية هذه الخدمات وفعاليتها.
وفي المقابل، تتزايد أهمية اعتماد اختيارات مسؤولة في مجال التجهيزات التعليمية، وهو ما تعكسه نتائج دراسة إقليمية حديثة أنجزتها شركة Epson. فقد أظهرت الدراسة أن 73 في المائة من الآباء والمدرسين يعتبرون أجهزة العرض من الأدوات الأساسية، بينما يرى 61 في المائة منهم أنها تساعد على تعزيز انخراط التلاميذ في العملية التعليمية. كما اعتبر 65 في المائة من المشاركين أن الطابعات تمثل أدوات أساسية لدعم التعليم والتعلم الفعال، في حين يرى أكثر من نصف المستجوبين أن الوسائط المطبوعة تساهم في تحقيق قراءة وفهم أكثر عمقاً.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية اعتماد مقاربة تجمع بين الأدوات الرقمية والوسائط المطبوعة، بما يسمح بتطوير تجربة تعليمية تستفيد من إمكانات التكنولوجيا دون التخلي عن الوسائل التي لا تزال تؤدي دوراً مهماً في عملية التعلم.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى أن تكون التكنولوجيا مصممة وفقاً للاحتياجات الفعلية للفصل الدراسي، من خلال توفير أدوات موثوقة وقادرة على دعم المدرسين والمتعلمين، مع مراعاة استهلاك الطاقة ومتطلبات الصيانة والاستخدام المستدام للموارد. فاختيار التجهيزات لا ينبغي أن يرتبط فقط بقدرتها التقنية، وإنما ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار كفاءتها التشغيلية واستمراريتها وقدرتها على مواكبة احتياجات المؤسسات التعليمية على المدى الطويل.
ويشكل اعتماد تقنيات أكثر استدامة وكفاءة، والحد من التدخلات التقنية المتكررة، مدخلا لمساعدة المؤسسات التعليمية على اتخاذ قرارات أكثر مسؤولية، دون التأثير في جودة العملية التعليمية ، كما أن إدماج هذه الاعتبارات منذ مرحلة تصميم التكنولوجيا يمكن أن يساهم في توفير أدوات عملية ومرنة وقابلة للتكيف مع التحولات التي يعرفها قطاع التعليم.
ولا يمكن تحقيق تحول حقيقي في المجال التعليمي من خلال مبادرة منفردة أو مؤسسة واحدة، إذ يتطلب الأمر تعاوناً بين مختلف مكونات المنظومة التعليمية. فالسلطات العمومية تضطلع بدور أساسي في وضع السياسات وتطوير البنيات التحتية، بينما تساهم شركات التكنولوجيا في تصميم الحلول وتطويرها، وتحدد المؤسسات التعليمية كيفية توظيف هذه الأدوات في الحياة اليومية، في حين يساهم الأفراد والمجتمعات بدورهم في إنجاح هذه التحولات.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الشراكات بين القطاع العام والقطاع الخاص والمنظمات غير الربحية أهمية متزايدة في تطوير فرص تعلم أكثر تفاعلاً وشمولاً. ويمكن للتعاون في مجالات الاتصال والتكنولوجيا والتكوين أن يساهم في تطوير نماذج تعليمية تستجيب بشكل أفضل لإشكالات الولوج إلى المعرفة، ولا سيما في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات والبنيات الأساسية.
وفي هذا الإطار، تشير Epson إلى تعاونها مع World Mobile ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، والذي مكّن، بحسب الشركة، من توفير حلول للاتصال وموارد للتعلم الرقمي لفائدة مؤسسات تعليمية تعاني من ضعف الخدمات في بلدان من بينها تنزانيا وكينيا. وتعكس هذه التجربة، وفق المقاربة التي يقدمها النص، أهمية توحيد الجهود بين مختلف القطاعات من أجل توفير بيئات تعليمية أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات والاستجابة لحاجيات الأجيال المقبلة.
ويظل مستقبل التعليم مرتبطاً بالقرارات التي يتم اتخاذها اليوم، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستويات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية. ومع بداية كل موسم دراسي، تتجدد الحاجة إلى تجاوز الاستجابة للحاجيات الآنية للفصول الدراسية، نحو بناء بيئات تعليمية أكثر شمولاً ومرونة واستعداداً لمتطلبات المستقبل.
وتتقاطع في هذا المسار مجموعة من الأولويات، من بينها تقليص الفوارق في الولوج إلى التكنولوجيا، واعتماد حلول تقنية بشكل مسؤول، وتعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين في المنظومة التعليمية. وهي عناصر مترابطة يمكن أن تساهم، من خلال التخطيط الجيد وتنسيق الجهود، في بناء أنظمة تعليمية أكثر قدرة على الصمود والإنصاف والاستدامة، وفي تمكين المتعلمين من تطوير المهارات والثقة والقدرة على الإبداع التي يحتاجون إليها لمواكبة عالم سريع التغير .



