الرأي

الرأي | المرافعة الإنسانية الأقوى ضد حتمية الفناء

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

لا أدري كلما وقفت عند أشعار عمر الخيام وكتابات شكسبير وقوافي فيكتور هوغو وأحمد رامي وإبراهيم ناجي وابن زيدون.. إلا وتتراقص أمام عيني عدة مشاهد إبداعية في تعريفهم للحب والتعبير عن هذه العاطفة والإحساس بتلك الرقة المتناهية التي تتلاقى فيها نظرياتهم رغم اختلاف البيئات التي نشئوا فيها والمجتمعات التي عاشوا داخلها.

فعندما يدرك الخيام بحسه الفلسفي أن الجسد البشري مجرد طين مؤجل (استعارة بيولوجية قاسية)، ويرى استمرارية الحب عنده بأنها لا تعني الامتداد في المستقبل المجهول، بل في تكثيف اللحظة الحاضرة واعتصارها حتى الثمالة، ويواجه حتمية الموت بـ”صدمة الحياة” عبر الخمر والحب، ويمارس إنعاشا قلبيا للحظة الراهنة لتبدو وكأنها أبدية، نجد شكسبير (التجميد النصي الحافظ) لا يثق في بيولوجيا المرأة أو الرجل؛ فهو يرى الزمن “وحشا كاسرا”، ويعبر بطريقته في إدامة الحب ونقله من خلايا الجسد القابلة للتحلل إلى أحرف السونيتة غير القابلة للتلف، وهو ما تفوق فيه إبراهيم ناجي، الشاعر والأديب والطبيب، عندما ترجم سونيتات شكسبير التي سبق أن كتبنا عنها .

تتمة المقال تحت الإعلان

بينما نزار قباني يرى الجسد كـ”دولة لا تسقط”؛ فشاعر المرأة كما سموه، يرى أن استمرارية الحب تنبع من قدرة الجسد على التجدد وتوليد المعنى، إذ الحب عنده طاقة حركية لا تعرف السكون، والمرأة ليست فكرة مجردة، بل هي كينونة حية تضخ الحياة في شرايين رجل كاد أن يقتله جفاف العالم السياسي والاجتماعي.

تتمة المقال تحت الإعلان

عندئذ يقف الحب دائما في تاريخ الفكر الإنساني كمتهمٍ دائم أمام منصات متعددة؛ تُحاكمه البيولوجيا بقوانين التحلل والفناء، وتجلده الواقعية بسياط الطبقية والمال، بينما تفتح له الفلسفة الوجودية أبواب الخلاص كطوق نجاة أخير في بحر العبث.

تتمة المقال تحت الإعلان

بين القصيدة عند الشعراء والأدباء تُخلّد اللحظة، والرواية التي تفضح المجتمع، والفلسفة التي تبحث عن المعنى.. تتشكل أبعاد العاطفة الإنسانية في أعمق تجلياتها.

وقد تعلق الإنسان منذ القديم بالحديث عن ذكرياته ولحظات سعادته ونمط حياته، والتعبير عن كوامن نفسه والتغني بأحاسيسه، ونشأ الشعر والموسيقى والمسرح والقصة والرواية وكل الفنون الجميلة، واستخدمت كأدوات ناجعة لهذا التعبير تمخضت عنها فلسفات مختلفة أدركنا بعضها ولم ندرك ما ضاع بفعل اندثار الحضارات الإنسانية وغياب التوثيق عبر عصور مظلمة من تاريخ الحروب والأوبئة والمجاعات وغيرها من الآفات.

فقبل أن يضع الأطباء مباضعهم لتشريح الجسد، كان الشعراء قد شرحوا أثر الحب على المادة الحية، إذ لا تقتصر مقاومة الحب للفناء على الاندماج الحسي المعاصر كما نلمسه عند نزار قباني، الذي جعل من جسد المرأة وطنا بديلا وجغرافيا للحرية، بل تمتد جذور هذه المقاومة إلى الشعر الكلاسيكي والأندلسي، حيث يصبح الحب هو الدليل الوحيد على الكينونة حين تنهار الدول وتتساقط المدن.

حين فقد ابن زيدون ولادة بنت المستكفي، لم يكتب قصيدة رثاء، بل صاغ في “نونيته” تشريحا دقيقا لـ “متلازمة البتر العاطفي”، حيث تتحول الذاكرة إلى عضو حي يرفض الموت، متحديا الغياب الفيزيائي:

بِنْتُم وَبِنّا فما ابتَلت جَوانِحُنا                     شوقا إليكم ولا جفّت مَآقينا

يكاد حين تناجيكم ضمائرنا                      يقضي علينا الأسى لولا تَأَسّينا

هنا، الشعر ليس مجرد ترف بلاغي، بل هو “إنعاش قلبي” يمارسه الشاعر ليُبقي العاطفة حية رغم المسافات وانهيار العالم المادي من حوله.

فإذا كان الشعر يحلق بالحب بعيدا عن الجاذبية، فإن الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر جذبه بعنف نحو الأرض، ليضعه في قفص الاتهام أمام قضاة الطبقية والمادة.

وفي صرح الملهاة الإنسانية، لم يكن أونوريه دي بلزاك يرى الحب كنقاء مجرد، بل كمعادلة تخضع لقوانين العرض والطلب .

في رواية “المرأة في الثلاثين” أو الأوهام المفقودة، تُسحق العاطفة تحت عجلات الطموح الباريسي وحسابات التركات، لتتحول مؤسسة الزواج إلى عقد تجاري يُصادر الشغف.

وقد أثبتت اليوم منصات التواصل الاجتماعي بعضا من هذه الظواهر وكأنها عودة بنا إلى الوراء.

ويمضي إيميل زولا في “الحانة” أبعد من ذلك، حيث يحاكم العاطفة بقوانين “المدرسة الطبيعية”.

الحب هنا ليس خيارا حرا، بل هو ضحية للحتمية البيولوجية والبيئة العمالية الخانقة؛ الفقر والإدمان كفيلان باغتيال أنبل المشاعر، محولين الإنسان إلى أسير لغرائزه ووراثته.

وتصل هذه المحاكمة إلى ذروتها البلاغية والدرامية مع ستاندال في “الأحمر والأسود”؛ فحين يقف “جوليان سوريل” أمام المحكمة، لا يدافع عن جريمة قتل فحسب، بل يلقي مرافعة دامغة ضد مجتمع طبقي جعل من حبه وتطلعاته جناية لا تُغتفر.

المحاكمة هنا هي محاكمة للمجتمع الذي يرفض أن يمنح الحب تأشيرة عبور بين الطبقات.

وأمام قسوة الحتميات الاجتماعية والبيولوجية، تبرز الفلسفة الوجودية لتعيد للحب كرامته، ليس كقصة خيالية، بل كـ”مشروع نجاة”.

فقد نقلت الكتابات الفلسفية – كما قربها للعقل العربي مفكرون كأنيس منصور – قلق الإنسان المعاصر من العبث، وتتقاطع هذه النظرة الوجودية مع التحليلات الفلسفية العميقة للمفكر عباس محمود العقاد، الذي كان يرى في الحب انعتاقا من سجن “الأنانية الفردية”، عندما يقول: “الحب هو الأنانية وقد بلغت من رفعتها أن تضحي بنفسها”.

إنه انتصار الإرادة والروح على طين الجسد.

فسواء نظرنا في النهاية إلى الحب كنبض يقاوم التحلل، أو كشغف تسحقه قسوة المجتمع، أو كقرار شجاع في وجه كون لا مبال؛ فإنه يبقى المرافعة الإنسانية الأقوى ضد حتمية الفناء.

فالإنسان، وهو يعلم سلفا بنهايته، يختار أن يحب، ليخلق داخل هذا المحدود زمنا لا نهائيا يخصه وحده، وهو ملخص لقصتي الأدب والسينما الأمريكية المعاصرة في فيلم “العصافير تختفي لتموت” و”ذهب مع الريح”، وأصلها ما صاغه الشاعر الفرنسي فرانسوا فيلون في القرن الخامس عشر ضمن إحدى قصائده للتعبير عن زوال متعة الحياة ومادياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى