تحقيقات أسبوعية

تقرير | الرهان الملكي على الرياضة وقصة التحول إلى استراتيجية وطنية..

في إطار التفاعل مع ما جاء في عدد 26 يونيو 2026 من “الأسبوع”، والذي خصص ملفا تحت عنوان: “السياسة والرياضة والشعب والملوك.. من محمد الخامس إلى محمد السادس”، أعده الإعلامي رئيس تحرير جريدة “الأسبوع”، سعيد الريحاني، يأتي هذا المقال الذي يؤكد أن الرياضة أصبحت فلسفة دولة، وهندسة مؤسساتية دقيقة؛ فلا شك أن الأمم التي تخلد أسماءها في سجل الرياضة العالمية لا تصنع أمجادها داخل تسعين دقيقة من زمن المباراة، ولا تبني مكانتها فوق نتيجة عابرة أو لقب موسمي، وإنما تؤسس تفوقها عبر رؤية بعيدة المدى، واستراتيجية محكمة، وقيادة تمتلك القدرة على قراءة المستقبل قبل أن يتحول إلى واقع..

حبيل رشيد
بقلم: حبيل رشيد

من الثابت أن المملكة المغربية عاشت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر التحولات الرياضية عمقا واتساعا في تاريخها الحديث، حتى أصبحت تجربتها محط اهتمام الاتحادات الرياضية، ومراكز الدراسات، وخبراء التخطيط الرياضي عبر العالم، وهو تحول ارتبط ارتباطا وثيقا بالرؤية الملكية المتبصرة التي يقودها الملك محمد السادس نصره الله، الذي جعل من الرياضة مشروعا وطنيا متكاملا، ومن كرة القدم رافعة للتنمية، ومن البنية التحتية الرياضية استثمارا في المستقبل، ومن الإنسان المغربي محور كل إصلاح وكل إنجاز.. لذلك، لم يعد الحديث عن تطور الرياضة المغربية مجرد توصيف لنتائج إيجابية تحققت فوق أرضية الملاعب، وإنما أصبح حديثا عن فلسفة دولة، وعن هندسة مؤسساتية دقيقة، وعن منظومة احترافية متماسكة، وعن قائد آمن بأن البطولة تبدأ قبل صافرة البداية بسنوات طويلة، وأن الكأس ترفع أولا داخل مراكز التكوين، ثم داخل قاعات التخطيط، وبعدها فوق المستطيل الأخضر.

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد أدرك الملك محمد السادس منذ وقت مبكر، أن كرة القدم العالمية دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها المباريات تُحسم بالمهارة الفردية وحدها، وإنما بحسن التموضع، والتناغم الجماعي، والكثافة العددية، والضغط العكسي، واستعادة الكرة في الثلث الأوسط، والتحولات العمودية السريعة، والتمركز الديناميكي، واللعب بين الخطوط، والقدرة على خلق التفوق العددي داخل أنصاف المساحات، وهي مفاهيم تكتيكية أصبحت تشكل لغة كرة القدم الحديثة، ومن ثم، جاء المشروع الرياضي المغربي منسجما مع هذه التحولات الكبرى، فلم يعد الهدف إنتاج لاعب موهوب فقط، وإنما صناعة لاعب يمتلك الذكاء التكتيكي، والمرونة الخططية، والانضباط الجماعي، والقدرة على تنفيذ مختلف الأنماط التكتيكية، سواء تعلق الأمر بالبناء المنظم من الخلف، أو بالضغط العالي، أو بالكتلة المتوسطة، أو بالارتداد الدفاعي المنظم، أو بالتحولات الهجومية الخاطفة، وهي عناصر تميز اليوم أقوى المدارس الكروية في العالم.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولذلك لم يكن الاستثمار في البنية التحتية مجرد مشروع عمراني، وإنما كان تأسيسا لاقتصاد رياضي جديد، ولجغرافية كروية حديثة تمتد من شمال المملكة إلى جنوبها؛ فقد شهد المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط إعادة تأهيل شاملة جعلته واحدا من أكثر الملاعب تطورا في القارة الإفريقية، كما عرف ملعب مولاي الحسن تحديثا يواكب متطلبات المنافسات الدولية، في الوقت الذي يواصل فيه الملعب الكبير بطنجة ترسيخ مكانته كواجهة رياضية متوسطية، بينما أصبح الملعب الكبير بمراكش فضاءً قادرا على احتضان أكبر الاستحقاقات الدولية، شأنه شأن الملعب الكبير بأكادير الذي يمثل نموذجا للاندماج بين الجودة الهندسية والوظيفة الرياضية، إلى جانب المركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء، الذي ظل شاهدا على تاريخ الكرة المغربية، والمركب الرياضي بفاس، فضلا عن مشروع ملعب الحسن الثاني الذي يجسد طموح المغرب في تشييد أحد أكبر وأحدث الملاعب الرياضية على المستوى العالمي استعدادا للاستحقاقات الدولية المقبلة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن الثابت أن هذه المنشآت لم تُبن لتكون مجرد فضاءات لإجراء المباريات، وإنما لتشكل بيئة متكاملة تسمح بتنفيذ مختلف متطلبات التدريب الحديث، بداية من جودة أرضية الملعب، مرورا بالبنية اللوجستيكية، ووصولا إلى أنظمة التحليل الرقمي، وتقنيات الاستشفاء العضلي، ومرافق الإعداد البدني، ومراكز الطب الرياضي، بما يجعل اللاعب يعيش داخل منظومة احترافية متكاملة تشبه تلك الموجودة لدى أكبر الأندية الأوروبية؛ فالمباراة الحديثة لم تعد مجرد تنافس بين أحد عشر لاعبا وآخرين، وإنما أصبحت مواجهة بين منظومتين في الإعداد، والتخطيط، وإدارة التفاصيل الدقيقة، وهو ما استوعبه المشروع الملكي منذ سنوات.

ويظل مركب محمد السادس لكرة القدم بالمعمورة، التعبير الأكثر اكتمالا عن هذه الرؤية، لأنه لم يُشيد ليكون مركز تدريب تقليديا، وإنما ليكون مختبرا لإنتاج التفوق الرياضي، ومنصة لتطوير الأداء، وحاضنة للتكوين المستمر، وفضاءً يجمع بين التكنولوجيا الرياضية، والتحليل البيوميكانيكي، والإعداد الذهني، والبحث العلمي، والطب الرياضي، والابتكار في مناهج التدريب، أما أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، فقد تحولت إلى مدرسة حقيقية في صناعة اللاعب العصري، الذي يجمع بين المهارة والانضباط، والوعي التكتيكي، والثقافة الرياضية، والقدرة على اتخاذ القرار في أجزاء من الثانية، وهي خصائص أصبحت اليوم معيارا أساسيا في كرة القدم العالمية.

ومن هنا، أصبح المنتخب الوطني المغربي ثمرة منظومة متكاملة أكثر منه نتاج جيل استثنائي. فالمتتبع الخبير يدرك أن الفرق الكبرى لا تُقاس بعدد النجوم، وإنما بقدرتها على الحفاظ على الاتزان التكتيكي عند فقدان الكرة، وسرعة التحول من الحالة الدفاعية إلى الحالة الهجومية، وإغلاق أنصاف المساحات، وصناعة التفوق العددي في مناطق الضغط، والاحتفاظ بالمسافات المثالية بين الخطوط الثلاثة، وتدوير الكرة بإيقاع متغير، وكسر خطوط المنافس بالتمريرات العمودية والقطرية، مع المحافظة على التوازن الدفاعي حتى أثناء التقدم الهجومي، وهذه التفاصيل الدقيقة، التي كانت إلى عهد قريب حكرا على مدارس كروية عريقة، أصبحت اليوم جزء من الهوية الكروية المغربية، وهو ما يفسر قدرة أسود الأطلس على مقارعة أكبر المنتخبات العالمية بثقة، وبشخصية، وبنضج تكتيكي يثير إعجاب المدربين والمحللين قبل الجماهير.

ولا شك أن الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم بقطر 2022، لم يكن معجزة رياضية عابرة، ولم يكن ضربة حظ كما حاول البعض تصويره، وإنما كان الامتحان الحقيقي الذي كشف للعالم أن المغرب بنى مشروعا متماسكا، وأن ما تحقق جاء نتيجة تراكم طويل في التكوين، والاستثمار، والحكامة، والتأطير، والاحتراف؛ فالمنتخب المغربي قدم آنذاك نموذجا في الانضباط الخططي، وفي التنظيم الدفاعي، وفي استغلال التحولات السريعة، وفي التحكم في نسق المباريات، وفي إدارة اللحظات الحرجة، وهي عناصر لا تُولد داخل غرفة الملابس قبل المباراة، وإنما تُصنع عبر سنوات من العمل المؤسساتي المتواصل.

ومن المؤكد أن الرؤية الملكية لم تحصر الاهتمام في المنتخب الأول، وإنما اتجهت نحو بناء قاعدة كروية واسعة تضمن استمرارية العطاء.. لذلك شهدت منتخبات الفئات السنية تطورا لافتا، وأصبحت تنافس قاريا ودوليا، كما برزت المنتخبات النسوية بصورة مشرقة، سواء على مستوى المنتخب الأول أو الفئات الصغرى، في دلالة واضحة على أن المشروع الرياضي المغربي يقوم على الشمولية، وعلى توسيع قاعدة الممارسة، وعلى الاستثمار في جميع الطاقات دون تمييز، لأن المنظومات الكبرى تُقاس بعمقها البشري أكثر مما تُقاس بنتائجها الآنية.

فلم تعد الرياضة في المغرب مجرد منافسة على الألقاب، وإنما أصبحت قطاعا اقتصاديا متكاملا يساهم في تحريك الاستثمار، وتنشيط السياحة، وخلق فرص الشغل، وتطوير الصناعات الرياضية، واستقطاب كبريات التظاهرات الدولية؛ فكل ملعب جديد يفتح آفاقا اقتصادية، وكل بطولة يحتضنها المغرب تنعكس على قطاعات النقل، والفندقة، والخدمات، والتجارة، والإعلام، والتسويق الرياضي، وهو ما يجعل الرياضة أحد محركات التنمية الاقتصادية، وأحد مكونات القوة الناعمة التي تعزز حضور المملكة في الساحة الدولية.

ولذلك، فإن احتضان المغرب لكأس الأمم الإفريقية، ثم المشاركة في تنظيم كأس العالم 2030، لا يمثل مجرد حدث رياضي، وإنما يجسد ثقة المجتمع الدولي في قدرة المملكة على تنظيم أكبر التظاهرات العالمية وفق أعلى المعايير، وهذه الثقة لم تأت من فراغ، وإنما تأسست على سجل حافل من التنظيم المحكم، والبنيات التحتية المتطورة، والاستقرار المؤسساتي، والكفاءات البشرية، والرؤية الملكية التي جعلت من الرياضة أحد أعمدة المشروع التنموي الوطني.

ومن الثابت أن القائد الناجح يشبه المدرب الكبير الذي يقرأ المباراة قبل بدايتها، ويضع السيناريوهات قبل وقوعها، ويعرف متى يهاجم، ومتى يحافظ على التوازن، ومتى يوسع رقعة اللعب، ومتى يغلق المنافذ أمام المنافس.. فهذه هي الفلسفة التي طبعت المشروع الرياضي الذي يقوده الملك محمد السادس، إذ لم يكن رهانه على تحقيق انتصار مؤقت، وإنما على بناء مدرسة رياضية مغربية قادرة على إنتاج الإنجاز بصورة متواصلة، وقادرة على تجديد دمائها دون أن تفقد هويتها.

فالمغرب اليوم لا يصدر لاعبين فحسب، وإنما يصدر نموذجا في التخطيط الرياضي، وفي صناعة المواهب، وفي إدارة المنظومات الكروية الحديثة، وأصبح اسم المملكة يقترن في المحافل الدولية بالاحتراف، والانضباط، والجاهزية، والابتكار، والقدرة على تحويل الطموح إلى واقع ملموس، ومن ثم، فإن وصف الملك محمد السادس بـ”الملك الرياضي” ليس توصيفا إنشائياً، وإنما قراءة موضوعية لمسار قائد جعل من الرياضة رافعة للتنمية، ومن الملاعب فضاءات لصناعة الأمل، ومن الأكاديميات مصانع للكفاءات، ومن المنتخب الوطني سفيرا لقيم المغرب وطموحه ومكانته بين الأمم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى