المنبر الحر

المنبر الحر | الدستور و الحياة السياسية

مكانة الدستور في الأنظمة السياسية

بقلم : مراد علوي
 
باحث في الدراسات السياسية و المؤسساتية

  يشكل دستور 2011 محطة أساسية في مسار التطور الدستوري والسياسي بالمغرب، لما تضمنه من إصلاحات عميقة استهدفت تعزيز البناء الديمقراطي وتطوير المؤسسات الدستورية وتوسيع مجالات المشاركة السياسية، وقد جاء هذا الدستور في سياق وطني اتسم بارتفاع المطالب الرامية إلى ترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز الديمقراطية والحكامة الجيدة، الأمر الذي جعل من تنظيم الحياة السياسية أحد أهم أهدافه الأساسية.

وتعد الحياة السياسية من أهم مظاهر تنظيم المجتمع داخل الدولة الحديثة، إذ تشمل مختلف الأنشطة والممارسات المرتبطة بتدبير الشأن العام وممارسة السلطة والمشاركة في صناعة القرار السياسي، وتتمثل أبرز مكونات الحياة السياسية في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة وهيئات المجتمع المدني، إضافة إلى مختلف الآليات التي تمكن المواطنين من المساهمة في توجيه السياسات العمومية ومراقبة أداء السلطات العامة، وتكتسب الحياة السياسية أهميتها من كونها تشكل المجال الذي تتجسد فيه إرادة المواطنين وتتم من خلاله ممارسة الحقوق السياسية في إطار من الشرعية القانونية والدستورية.

تتمة المقال تحت الإعلان

في هذا الإطار جاء دستور 2011 ليؤسس لمرحلة جديدة في تنظيم الحياة السياسية من خلال إقرار مجموعة من المبادئ والآليات بهدف تعزيز الديمقراطية وتوسيع دائرة المشاركة السياسية؛ فقد أكد الدستور على مبدأ السيادة الشعبية وجعل الأمة مصدر السلطات، تمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء، وبصفة غير مباشرة من خلال المؤسسات التمثيلية المنتخبة، ويعكس هذا المبدأ الإرادة الدستورية في ربط ممارسة السلطة بالإرادة الشعبية وإضفاء الشرعية الديمقراطية على مختلف المؤسسات السياسية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما منح الدستور مكانة متميزة للأحزاب باعتبارها إحدى الدعائم الأساسية للحياة السياسية، حيث أسند إليها مهمة تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز مشاركتهم في الحياة السياسية، وقد كرس حرية تأسيس الأحزاب وممارسة أنشطتها، في إطار احترام أحكام الدستور والقانون والثوابت الوطنية للمملكة، وهو ما يعكس أهمية التعددية السياسية باعتبارها أحد المقومات الأساسية للنظام الديمقراطي.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتبرز أهمية الانتخابات في اعتبارها الآلية الرئيسية التي يتم من خلالها تجسيد الإرادة الشعبية واختيار ممثلي الأمة، ولذلك حرص دستور 2011 على التأكيد على مبادئ الحرية والنزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص في العملية الانتخابية، كما ربط تشكيل الحكومة بنتائج الانتخابات التشريعية من خلال تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، وهو ما يعزز مكانة الاقتراع كوسيلة ديمقراطية لتداول المسؤولية السياسية.

وعمل الدستور كذلك على تقوية المؤسسة البرلمانية وتوسيع اختصاصاتها في مجالات التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، ويأتي هذا التوجه في إطار تعزيز دور البرلمان باعتباره المؤسسة التي تمثل الأمة وتسهم في تحقيق التوازن بين السلطات داخل الدولة، كما عزز مكانة الحكومة ومنحها صلاحيات أوسع في تدبير الشأن العام وتنفيذ السياسات العمومية، مع إخضاعها لمبدأ المسؤولية السياسية أمام البرلمان.

ومن أهم المستجدات التي جاء بها الدستور، تكريس مبدأ الديمقراطية التشاركية إلى جانب الديمقراطية التمثيلية، حيث أتاح للمواطنين ولجمعيات المجتمع المدني إمكانية المساهمة في إعداد القرارات العمومية وتتبعها وتقييمها من خلال آليات دستورية جديدة، كالعرائض والملتمسات التشريعية، وقد شكل هذا التوجه خطوة مهمة نحو توسيع المشاركة السياسية وتعزيز انخراط المواطنين في تدبير الشأن العام.

أما على مستوى الحقوق والحريات، فقد خصص الدستور حيزا مهما لضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، حيث أكد على حرية الرأي والتعبير وحرية الاجتماع والتجمع وتأسيس الجمعيات والنقابات، والحق في المشاركة السياسية والمساواة أمام القانون، وتعد هذه الحقوق من الركائز الأساسية لأي حياة سياسية ديمقراطية، لأنها تضمن للمواطنين إمكانية التعبير عن آرائهم والمشاركة في إدارة الشؤون العامة في إطار من الحرية والمسؤولية.

ومن حيث بنيته العامة، يتكون دستور 2011 من ديباجة ومجموعة من الأبواب والفصول التي تنظم مختلف جوانب الحياة الدستورية والسياسية بالمملكة، وتكتسي الديباجة أهمية خاصة باعتبارها جزءً لا يتجزأ من الدستور، حيث تؤكد تشبث المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وتبرز مقومات الهوية الوطنية الموحدة الغنية بتعدد روافدها الحضارية والثقافية، كما تتناول أبواب الدستور الأحكام المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية، والملكية، والسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، والجهات والجماعات الترابية، إضافة إلى الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة والتنمية البشرية والديمقراطية التشاركية.

ويقوم النظام السياسي المغربي، وفق الفصل الأول من الدستور، على أساس ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية، ويتميز هذا النظام بمكانة مؤسسة الملكية التي تشكل ركيزة أساسية في البناء الدستوري للدولة، حيث يتولى الملك مهاما دستورية تتمثل في السهر على احترام الدستور وضمان دوام الدولة واستمرارها وحسن سير المؤسسات الدستورية، وإلى جانب المؤسسة الملكية تمارس الحكومة السلطة التنفيذية، بينما يتولى البرلمان السلطة التشريعية، وتسهر السلطة القضائية المستقلة على حماية الحقوق والحريات وتطبيق القانون.

كما يرتكز النظام السياسي المغربي على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، وهو مبدأ يهدف إلى منع احتكار السلطة وتحقيق الانسجام بين مختلف المؤسسات الدستورية، وإلى جانب ذلك، كرس الدستور مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة باعتباره أحد الأسس الجوهرية للحكامة الديمقراطية، حيث أصبح كل مسؤول عمومي مطالبا بتحمل نتائج القرارات التي يتخذها والخضوع للمراقبة والمساءلة وفق ما يقتضيه القانون.

يمكن القول إن دستور 2011 شكل إطارا دستوريا متقدما لتنظيم الحياة السياسية بالمغرب من خلال تكريس مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية والمشاركة المواطنة وربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة، كما أسهم في تطوير البناء المؤسساتي للدولة وتعزيز مكانة الحقوق والحريات وإرساء آليات جديدة للمشاركة السياسية، غير أن فعالية هذه المقتضيات تظل رهينة بمدى تفعيلها على أرض الواقع وبقدرة مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين على احترام روح الدستور ومقتضياته، بما يساهم في ترسيخ دولة القانون وتعزيز المسار الديمقراطي وتحقيق التنمية السياسية ببلادنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى