المنبر الحر | القانون 14.25.. هل هو إصلاح للجبايات الترابية أم إعادة إنتاج للمركزية ؟


لم يعد إصلاح الجبايات الترابية في المغرب مجرد نقاش تقني يهم المختصين في المالية المحلية، بل أصبح أحد المفاتيح الكبرى لفهم مستقبل الدولة الاجتماعية والجهوية المتقدمة؛ ففي الوقت الذي يرفع فيه المغرب شعار العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الجهات، ما تزال الجماعات الترابية تواجه تحديا جوهريا يتمثل في ضعف مواردها الذاتية وعدم قدرتها على تمويل اختصاصاتها التنموية.
ويأتي القانون 14.25 المغير والمتمم للقانون 47.06، في سياق يتسم بتسارع تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، وتفعيل مخرجات النموذج التنموي الجديد، وإصلاح المنظومة الجبائية، والاستعداد لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وهي رهانات تفرض على الجماعات الترابية توفير بنية تحتية متطورة وخدمات عمومية ذات جودة عالية، لذلك لم يعد السؤال هو هل نحتاج لإصلاح الجبايات الترابية؟ وإنما هل يمثل القانون 14.25 إصلاحا للمنظومة، أم مجرد تحسين لآليات تدبيرها ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تجاوز القراءة التقنية لمقتضيات القانون، والانتقال إلى قراءة استراتيجية تربط بين الجباية، والتنمية، والعدالة المجالية، واللامركزية المالية، فإلى أي حد يشكل القانون 14.25 تحولا حقيقيا في مسار إصلاح الجبايات الترابية بالمغرب؟ وهل يستطيع هذا الإصلاح أن يساهم في تحقيق العدالة المجالية وتقوية الاستقلال المالي للجماعات الترابية، أم أنه يظل إصلاحا تقنيا يعالج آليات التحصيل دون معالجة الاختلالات البنيوية التي تنتج الفوارق بين المجالات ؟
لا يمكن إنكار أن القانون 14.25 يحمل مستجدات مهمة في مجال تحديث الإدارة الجبائية المحلية؛ فقد جاء استجابة لتوصيات المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات، ولتوجهات القانون الإطار 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، كما ينسجم مع توصيات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي التي دعت إلى بناء منظومة جبائية أكثر عدالة وفعالية.
ومن أهم مستجداته، نقل إصدار وتحصيل بعض الرسوم، وعلى رأسها الرسم المهني ورسم السكن ورسم الخدمات الجماعية، إلى مصالح المديرية العامة للضرائب، مع إعادة تنظيم الاختصاصات المتعلقة بالتحصيل وتحيين بعض المقتضيات الخاصة بالرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، ويهدف هذا التوجه إلى توحيد قواعد التدبير الجبائي، والرفع من مردودية التحصيل، والاستفادة من الرقمنة وقواعد البيانات المتوفرة لدى الإدارة الجبائية الوطنية.
ويأتي هذا الإصلاح في ظرفية مالية دقيقة؛ إذ تجاوزت ميزانية الاستثمار العمومي خلال السنوات الأخيرة مستويات غير مسبوقة، كما ارتفعت الاعتمادات المخصصة للجماعات الترابية في إطار دعم تنزيل الجهوية المتقدمة والدولة الاجتماعية، وفي المقابل، ما تزال الموارد الذاتية لعدد كبير من الجماعات، محدودة، الأمر الذي يفسر استمرار اعتمادها على التحويلات المركزية.
وتكمن أهمية القانون 14.25 في كونه يحسن أدوات تدبير الجبايات الترابية، لكنه لا يجيب بشكل كامل عن سؤال العدالة المجالية؛ فالإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يقوم بالتحصيل، وإنما بمن يملك الوعاء الجبائي أصلا؛ فالدار البيضاء والرباط وطنجة تستفيد من قاعدة اقتصادية وعقارية وتجارية واسعة تجعل مواردها الجبائية مرتفعة بطبيعتها، بينما تبقى جماعات كثيرة في المناطق الجبلية والقروية والحدودية، محدودة الموارد حتى مع وجود إدارة جبائية أكثر كفاءة. ومن ثم، فإن تحسين التحصيل سيؤدي إلى زيادة مداخيل الجماعات الغنية بالدرجة الأولى، ما لم يواكب ذلك نظام أكثر قوة لإعادة توزيع الموارد بين الجماعات والجهات.
في هذا الإطار، فإن صندوق التضامن بين الجهات وصندوق التأهيل الاجتماعي يمثلان خطوة إيجابية، إلا أن حجم مواردهما وآليات اشتغالهما لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير حتى يصبحا قادرين على لعب دور مماثل لما هو معمول به في تجارب عدة دول.
فالرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في الانتقال من القابض الجماعي إلى المديرية العامة للضرائب، بل في الانتقال من منطق تحصيل الضريبة إلى منطق إنتاج العدالة المجالية؛ فالجباية ليست مجرد مورد مالي، وإنما أداة لإعادة توزيع الثروة وتصحيح الاختلالات التنموية بين المجالات.
إن القانون 14.25 يمثل دون شك خطوة متقدمة في تحديث المنظومة الجبائية الترابية، وسيكون له أثر إيجابي على تحسين التحصيل وتبسيط المساطر وتعزيز الرقمنة، غير أن نجاحه الحقيقي لن يقاس بعدد الملفات التي ستنتقل إلى المديرية العامة للضرائب، ولا بحجم الإيرادات الإضافية التي سيتم تحصيلها، وإنما بقدرته على الإسهام في بناء نموذج جديد للعدالة المجالية، فالمرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من إصلاح النصوص إلى إصلاح الفلسفة التي تحكم المالية المحلية، ومن منطق توزيع الاختصاصات إلى منطق توزيع الفرص، ومن الجباية كوسيلة للتمويل إلى الجباية كرافعة للتنمية والإنصاف.. عندئذ فقط يمكن القول أن المغرب لم يصلح قانونا للجبايات الترابية فحسب، بل شرع في إصلاح نموذج الدولة الترابية برمته، بما يجعل العدالة المجالية ممارسة مؤسساتية يومية، وليست مجرد مبدأ دستوري أو شعار تنموي.



