تحقيقات أسبوعية

للنقاش | معركة كسر العظام بين “البيجيدي” والأحرار.. هل ستنتهي بسلام ؟

يبدو أن المعركة السياسية بين حزبي الأحرار والعدالة والتنمية قد بلغت ذروتها وأصبحت مفتوحة على كل الاحتمالات والتوقعات، ولم تعد هنالك حواجز تقف أمام كل حزب ليقول ما يشاء في حق الحزب الآخر، وفي الحقيقة، فمنذ تولي حزب التجمع الوطني للأحرار رئاسة الحكومة وقيادة الأغلبية في هذه الولاية المشرفة على نهايتها، وهو يجد نفسه أمام معارضة شرسة وصعبة المراس، لا تدع صغيرة ولا كبيرة إلا وبحثت ودققت فيها، وتعمل جاهدة على كشف مساوئها وسلبياتها أكثر من إيجابياتها.. حتى صار الأمر عاديا في المشهد السياسي عامة والبرلماني خاصة، وبدأنا نعيش قطبية برلمانية حقيقية، أغلبية بزعامة الأحرار، ومعارضة أقلية بزعامة “البيجيدي”، على الأقل ظاهريا..

بنعيسى Benissa
بقلم: بنعيسى يوسفي

تعتبر الجلسة البرلمانية الشهرية التي استعرض فيها رئيس الحكومة الحصيلة التعليمية في هذه الولاية، والرد الناري والقاسي الذي انبرى له رئيس فريق حزب العدالة والتنمية ردا على هذه المداخلة، هي النقطة التي أفاضت الكأس، والتي جعلت الأمور تأخذ منحى مغايرا؛ فقد جعلت الطرفين يزيدان من حدة لهجتهما، في تصعيد خطابي غير مألوف وغير مسبوق، لأن المسألة هذه المرة أخذت أبعادا خطيرة، انفتحت على تأويلات وقراءات واتهامات لم يستسغها الطرف الحكومي، واعتبرها مغرضة ومتحاملة، جاءت على لسان برلماني “البيجيدي” عبد الله بوانو، حينما صرح بأن هذه الحكومة مست بالأمن العام واستقرار البلاد، وأن الرصاص لم يطلق في المغرب منذ سنة 1981، في إشارة واضحة إلى سوء تدبير الحكومة الحالية لاحتجاجات “جيل زد”، وثانيا باعتبار أن هذه الحكومة هي المسؤولة على إخراج هذا الجيل إلى الشارع للاحتجاج، بعدما ضاقت بهم الأرض بما رحبت، نتيجة السياسات والممارسات التي تنهجها الحكومة والتي لا يرى فيها هذا الجيل أي حل لمشاكله الاجتماعية والاقتصادية وقس على ذلك.. كل هذه الأمور جعلت ثائرة رئيس الحكومة عزيز أخنوش تثور ويستشيط غضبا، ويرد على هذا النائب البرلماني برد عنيف.. لكن يبدو بعيدا عن الموضوع، وتحويرا له، حيث ذهب إلى حيثيات وملابسات وصول هذا البرلماني المزعج إلى قبة البرلمان وربط وجوده فيه بالقاسم الانتخابي الذي كان الحزب يرفضه، وأن أحدا ما يتكلم له في أذنه، دون مزيد توضيح عما يريد رئيس الحكومة الوصول إليه بهذا الكلام الملغّز، وهكذا بعدما كان من المفروض على رئيس الحكومة أن يجيب عن تساؤلات بوانو ويرد عليها بالمنطق والحجة، سلك سياسة الهروب إلى الأمام وتطويع كلام هذا الأخير، وتحميله ما لا يحتمل، وتقويله ما لم يقله..

تتمة المقال تحت الإعلان

والحقيقة أن الذي أثار انتباهي في هذا الصدد، هو انشطار الرأي العام والمحللين السياسيين حيال هذا الصراع السياسي بين هذين الحزبين شطرين، بين من يقول أن ما يقوم به حزب العدالة والتنمية من تدخلات وما يطرحه من انتقادات ومناقشات، يدخل في صميم دوره كطرف في المعارضة، وممارسة مشروعة لحقه الدستوري المكفول، حيث لا يجب أن يسكت أو أن يبقى مكتوف الأيدي أمام كل ما يحلو للحكومة والأغلبية قوله وصياغته وتمريره من سياسات، والتبريرات التي تريد أن تعضد بها كل ذلك، وبين من يذهب إلى أن معارضة حزب العدالة والتنمية قد تجاوزت الحدود، وكأن للمعارضة حدودا معينة لا يجب تجاوزها، وإن كانت موجودة، فلماذا لا يحددها هؤلاء؟ إلى درجة أن هناك من يذهب من أنصار هذا الطرح، إلى أن ما يقوم به “البيجيدي” اليوم ليس معارضة حقيقية بقدر ما هي تبخيس متعمد وممنهج لكل العمل الحكومي، وللمجهودات الكبيرة التي يتم بذلها في مجالات متعددة، ومزايدات سياسية على رئيس الحكومة وحزبه، وعلى الأغلبية المكونة للتحالف الحكومي التي يبدو بعضها صامتا أمام هذه الاصطدامات وكأن الأمر لا يعنيها، مما قد يفسر أو يجعل الصراع وكأنه ثنائيا بين حزبين بعينهما، يعتبرونها مزايدات سياسية استعدادا للانتخابات التشريعية المقبلة، التي يراهن فيها حزب العدالة والتنمية على إسقاط الحزب الذي يقود الأغلبية الحالية بالضربة القاضية، وأسلوب من أساليب استمالة الناخبين، في إطار تنافس وتمرين ديمقراطي حقيقي، كما يذهب أنصار هذا الرأي إلى أن قوة معارضة “البيجيدي” للأحرار لا تترك له مجالا لاسترجاع الأنفاس، ولا تترك أي موضوع أو برنامج تتقدم به الحكومة إلا وترصد اختلالاته وتناقضاته ونقط ضعفه بالحجة والدليل، وهذا ما يزعج الحكومة الحالية ويجعلها تتهم هذا الحزب المعارض بتسويد كل شيء وزرع اليأس والنفور في نفسية المواطن المغربي، الذي يبدو أنه تائه بين ما قد يكون سياسة تضليلية من طرف الحكومة، ويعيش في الوهم، ولا يلمس أي شيء مما تدعيه الحكومة على أرض الواقع، أو أي تحول حقيقي في منظومة العيش واضحة للعيان، وبين ما قد يكون آمالا ووعودا مبنية على الرمال من المعارضة، والتي إن أوصلتها صناديق الاقتراع إلى مناصب المسؤولية، هل ستقدم شيئا له أفضل مما هو قائم، أم أنها ستتذرع هي الأخرى بلغة الإكراهات والتحديات والظرفيات.. وما إلى ذلك من المفاهيم والمصطلحات التي تعتبر مشاجب جاهزة لتبرير الإخفاق والفشل؟ خاصة وأن المغاربة لهم ذكريات غير سارة مع هذا الحزب المعارض الأول اليوم في ولايتين حكومتين سابقتين كان يسير فيهما الشأن العام، خاصة في قطاعات حساسة ومهمة، وكانت النتائج دون مستوى التطلعات.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي الحقيقة، تذكرني هذه المشادات الكلامية بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، بتلك التي كانت تحدث داخل قبة البرلمان بين رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران وحكيم بنشماس من حزب الأصالة والمعاصرة؛ فقد كان هذا الأخير يخرج رئيس الحكومة عن طوعه في أحيان كثيرة، حيث كان دائم المعارضة له، وكان كثيرا ما يوقفه ويأتي بنقيض ما يدعيه ويزعمه الرئيس بخصوص مواضيع وملفات كثيرة تخص قطاعات معينة.. هذه المشادات الكلامية التي غالبا ما تتحول إلى ملاسنات شخصية، وتدخل في خصوصيات شخصية، لا يسمح القانون الداخلي للبرلمان بإثارتها، وهذا ما يحدث تماما اليوم بين الحزب نفسه الذي أصبح في المعارضة، وحزب يقود الأغلبية ويسير الشأن العام، والذي يبدو في هذه الأيام الأخيرة أن صدره لم يعد يتسع لتقبل انتقادات ومعارضة الأقلية له. إذن، فالبرلمان كمؤسسة دستورية هذا هو دوره، ساحة للاعتراك السياسي والمناقشة السياسية الجادة، ناهيك عن أدواره التشريعية الأخرى.

تتمة المقال تحت الإعلان

لا يختلف اثنان في أن التأسيس لديمقراطية حقيقية يمر حتما عبر وجود أحزاب قوية ومن توفرها على أفكار وتصورات لإيجاد حلول للمشاكل التي يعاني منها المجتمع على مختلف الأصعدة، وليس هذا فحسب، بل وبوجود أيضا أغلبية منسجمة قادرة على الاضطلاع بمهامها وأدوارها كاملة وتنفيذ برامجها ووعودها في المدة المخصصة لها قانونيا ودستوريا، ومحاسبتها في نهاية الولاية، في ما يسميه الدستور بربط المسؤولية بالمحاسبة، وثانيا أيضا بوجود معارضة قوية تترصد أخطاء الأغلبية وتصحيحها، واقتراح بدائل ناجعة.. وحتى لا يتم فهم الصورة بشكل مغلوط، فإن الصراع الذي يبدو بين الأغلبية والمعارضة اليوم، لا يجب أن يعطى له أكبر من حجمه؛ فهو صراع يمثل جوهر الديمقراطية الحقيقية، لكن – للأسف – في فهمنا الضيق للمعارضة تبدو وكأنها شكل من أشكال استعداء الخصم السياسي، والواقع أنه في الديمقراطيات العريقة، تكون الأغلبية دائمة الانفتاح على المعارضة، والعكس صحيح، ويشتغلان في إطار تكاملي في أحيان كثيرة، لأن مصلحة الوطن والمواطن بالنسبة لهما هي الأولوية وفوق كل اعتبار، أما الخلافات السياسية والإيديولوجية، ففي بعض الأحيان لا قيمة لها أمام التدافع السياسي الحقيقي الذي يضع نصب أعينه تقدم المجتمع ورفاهيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى